fbpx
تقارير

أزمة كورونا والجدل حول مفهوم وأدوار الدولة

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

مع انتشار وباء كورونا، كانت الأنظمة السياسية المختلفة تواجه أزمات كبيرة سابقة على الوباء، ودار جدل كبير حول دور الدولة في الاقتصاد، وضعف آليات الديمقراطية التمثيلية، وأدوار الجيوش وأجهزة الأمن وعلاقة الجيوش بالسياسة، ومع تداعيات أزمة كورونا ثارت تساؤلات حول شرعية ومستقبل النظم السياسية، بل وحول طبيعة السياسة ومفاهيمها، باعتبارها عملية للتخصيص السلطوي للقيم، وهل هذا التخصيص كان عادلاً؟

تراجع دور الدولة في الصحة وتزايد السخط والنقد:

مع تفشى الوباء وفشل عديد الأنظمة الصحية حول العالم لم تستطع نظم الحكم تبرير هذا الفشل وتسويغه. ففي العديد من التجارب الأوروبية التي تزايدت فيها حدة الوباء بمؤشر عدد الوفيات ونسبتهم من الإصابات مثل إيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا وفرنسا فإن النقد كان موجها مباشرة للسياسات الاقتصادية التي انطلقت من مفاهيم دولة الحد الأدنى وقلصت النفقات الصحية مطمئنة إلى ما أنجزته في السابق في المجال الصحي.

وبقدر ما كشفت الأزمة عن ضعف أنظمة الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية التي لطالما عيرت الأنظمة المستبدة شعوبها بها وبالإنجازات المحدودة فيها، فإن ما فعله الفيروس هو تعرية ثغرات النظام الرأسمالي ومدى عجزه عن القيام بوظائفه وإخلاله بمتطلبات الرفاه الاجتماعي، وفي ظل محاولاتها لإثبات مرونة النظام وقدرته على تخطى أزماته، أسرعت الدول الأوروبية على نحو استثنائي باتخاذ حزمة من القرارات التي يبدو أن بعضها ذا طابع اشتراكي أو شبيهة بسياسات دولة الرفاه الاجتماعي، فيما تدخلت الولايات المتحدة على سبيل المثال في توجيه بعض قطاعات الإنتاج إلى إنتاج أجهزة التنفس الصناعي والمستلزمات الطبية.

هذه السياسات وغيرها لم تتبع كسياسات اشتراكية أو يسارية وإنما لإنقاذ الرأسمالية بدولة الرفاه الاجتماعي، إذ تتدخل الدولة في توجيه الاقتصاد بهدف إحداث نمو رأسمالي تلتزم فيه التشغيل الكامل للعمالة ونظام أجور مناسب، وضمانات حماية تتمثل في زيادة الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، أعادت الأزمة إذن طرح مفهوم دولة الرفاه الاجتماعي والديمقراطية الاجتماعية عالميا، لكن وفقا للبعض فإن العودة إلى هذه الدولة أو محاولة تأسيسها في عالم الجنوب تواجه تحديات جمة حيث اقتصاد معولم بشدة ومثقل بالديون والصراعات وتشكل النفقات العسكرية فيه بندا كبيرا ومطردا.[1]

وثمة سياسات ارتبطت بالوباء تتضمن التوسع في العمل من المنزل أو عن بعد أو تسريح عمالة أو تحميلها القسط الأكبر من خسائر الاقتصاد، هذه السياسات ستؤثر على هيكل القوة وتوزيعها وعلاقاتها في المجتمع فبطالة أكبر وعمالة عائدة أكثر تعني مزيدا من الاضطرابات الاجتماعية والضغوط الاحتجاجية على النظم السياسية على المدى المتوسط ومزيدا من الحاجة لدولة تكفل هذه الفئات وتيسر لها سبل العيش ولو بالحدود الدنيا بشكل عاجل.

تزايد النقد للأحزاب والسلطات الحاكمة:

نشرت العديد من النظم تقاريراً حول مدى نجاح نموذج الدولة الصينية التنموي كنموذج لرأسمالية الدولة القائدة أو حتى نموذج محبذ لبعض الأحزاب اليسارية أو الشيوعية، وصدرت كتابات عدة حول تجربة الصين في تخفيف حدة الفقر والتفاوت، إلا أن أزمة كورونا كشفت عمق الأزمة داخل الصين إذ بينما تتعزز أرقام النمو الكلية فإن التفاوت يترك خلفه أسواقا للحيوانات البرية لتعويض البروتين الحيواني الطبيعي عالي التكلفة، مخلفا ثقافة شعبية متصالحة مع هذا ومستنكرة أن تكون أنماط الغذاء وطريقة العيش الصينية سببا في انتشار الوباء بهذا الشكل.

وبينما قد يرى البعض أن الأزمة تستغل ضد الصين لأهداف التنافس على قيادة النظام الدولي وحتى مع تصدير النظام الصيني نفسه بصورة المنتصر فإنه عانى أزمة ثقة شديدة سواء للحزب الشيوعي الصيني الحاكم داخل الصين برمتها أو أزمة لقيادة شي جين بينج للحزب وهو ما تجلى في الأحداث التي أثيرت في منتصف مارس 2020، حيث بدأ تداول رسالة مفتوحة مجهولة المصدر في الصين، تتوسل لعقد جلسة خاصة للحزب والتي من شأنها أن تنتقد بشدة الطريقة التي تم بها معالجة الأزمة، وبالتالي قيادة شي للأزمة وكذلك حملة التضامن الواسعة مع وفاة العالم الشاب الذي حذر من انتشار الفيروس في بداياتها وانتقد سياسات وزارة الصحة والسلطات الصينية كما أن صمود الأنظمة السياسية الرئيسية في العالم (الصين والولايات المتحدة وروسيا) وبقاء هيكل القوة فيما بينها على حاله أصبح مرتهنا بالنتائج النهائية للوباء سواء من الناحية الصحية أو الاقتصادية وما سترتبه من حراك داخلي أو قدرة لتلك الأنظمة على توظيف الأزمة وتجاوزها.[2]

وبينما كانت النظم السياسية تستطيع تجاهل أزمات القطاعات الصحية وغيرها من الأزمات المحلية فإن هذه الأزمات بدأت تطفو على السطح كأولوية وبدأ المواطنون يهتمون أكثر بمخصصات أنظمة الرعاية الصحية والمؤسسات الطبية وغيرها وهي قطاعات تنظمها سياسات تتعلق مباشرة بمن في السلطة وسياساته وتوجهاته وانحيازاته الاقتصادية والاجتماعية.

لقد حررت وسائل التواصل الاجتماعي الأطباء والعاملين في القطاع الصحي من سلطة الأمر الواقع المفروضة على كل العاملين المدنيين والتي تقتضي ألا ينشر أحدهم أية منشورات أو مقالات أو موضوعات ناقدة للسلطة أو معارضة لها، حيث إن السياسات الحكومية في التعامل مع الأزمة كانت محل نقد كبير من قبل الأطباء والعاملين في القطاع الصحي والمواطنين العاديين، وأعادت الأزمة الجماهير إلى المجال العام، باعتبار الصحة شأنا عاما يمس الجميع بشكل يومي مباشر، وإعادة الجماهير إلى هذا المجال عبر السوشيال ميديا، تعيد تعريف السياسة مرة أخرى، وتنشئ مجالًا عامًا متنوعًا، قادر على أن يربط بين الخاص والعام، فالسياسة كما قال زاجموند باومان ما هي إلا تحويل الخاص إلى عام والعام إلى خاص.[3]

الاستخدام السياسي للوباء وتطوراتها احتمالات الاستبداد وفرص الاحتجاج:

بمرور الوقت تبلور الاستخدام السياسي للوباء من قبل العديد من الأنظمة والقوى السياسية حول العالم فكما استخدم الرئيس ترامب الوباء في محاولة النيل من الصين سواء باتهامها بتصنيع ونشر الوباء أو التواطؤ مع منظمة الصحة العالمية لإخفاء بيانات، ومن ثم تخفيض الانفاق الأمريكي على أنشطة خارجية ووقف دعم بلاده للمنظمة -وبغض النظر عن مدى صحة هذا الادعاء- فإنه أيضا حاول شراء الحقوق الحصرية لإنتاج مصل للوباء من شركة ألمانية لاستغلاله في الدعاية الانتخابية له باعتباره من جلب الدواء للأمريكيين حتي يمحو الصورة السلبية التي تصدرت عنه بداية الوباء كرجل أعمال يقدم الاقتصاد على صحة المواطنين الأمريكيين، وبذلك يكون الوباء قد شكل اختبارا صعبا للقيادات اليمينية الشعبوية لمراكز النظام النيوليبرالي السائد عالميا رغم اعتبار أنفسهم في حالة حرب حقيقية ضد الوباء.[4]

وأصبح تدخل الجيوش وقوى الأمن أكثر مقبولية في العديد من النظم رغم فداحة هذا التدخل في بعض الدول، فقد رأى العالم مشهد رجال الجيش والأمن الهنود والبنغال وهم يجلدون ظهور الناس في الشوارع والأحياء الشعبية لفرض الحجر الصحي، بما يطرح سؤالا مهما هنا حول حدود تدخل الدولة وضوابطها باسم المصلحة العامة، وما هي ضمانات عدم تماديها في استخدام هذه الأساليب التدخلية في تهديد الحياة الشخصية والمدنية في الصميم؟[5]

وفي مصر على سبيل المثال استغل النظام الوباء لتعزيز قبضته الأمنية سواء بتعديلات قانون الطوارئ الذي تعيش فيه البلاد منذ يوليو 2013 أو بإعطاء حق الضبطية القضائية لضباط القوات المسلحة ورغم الحملة الدعائية التي خاضها المجتمع المدني والقوى السياسية المناوئة للنظام في الداخل والخارج سواء للإفراج عن السجناء على غرار ما فعلته العديد من الأنظمة السياسية في المغرب وإيران وتركيا، فإن النظام استمر بحملات القبض العشوائي على ناقديه في المواقع الصحفية والتضييق على الأطباء والعاملين بالقطاع الصحي.

وبينما وفر الوباء مخرجا للعديد من النظم السياسية لتهدئ من حدة الاستقطاب السياسي وتخرج آلاف السجناء السياسيين لسبب موضوعي بحت دون أن يقال أن هذا تم بضغط من القوى المعارضة، ففي المقابل فإن السلطة في مصر ارتأت أن تتهم معارضيها والناشطين الحقوقيين المطالبين بالإفراج الفوري عن السجناء من كافة التيارات ولو بصيغة مشروطة، أو بتعزيز أجور الأطباء ووسائل حمايتهم وتحسين أوضاعهم الاجتماعية ومساواتهم بشهداء الجيش والشرطة، اتهموا بأنهم يستخدمون الوباء لأغراض سياسية وراح الإعلام يروج لهذه السردية، في حين أن دولا وأنظمة أكثر قمعا اتخذت إجراءات مماثلة وأطلقت سراح معتقليها وسجنائها حتى لا تصبح مسئولة عنهم حال تردي الأوضاع بالسجون.

أي أن الوباء فرض على النظم السياسية ومؤسسات الدول أن تتخذ قرارات خارجة عن المألوف بالنسبة لها، بعضها استجاب بطريقة تُعزز العلاقة والثقة بين الدولة والمجتمع والبعض الآخر تصرف بطرق تهدم فكرة الدولة المسئولة عن حماية مواطنيها الذين يقبعون تحت المسئولية المباشرة لها، واستغلت الديكتاتوريات في أكثر من بلد الوباء لتعظيم فرصها للاستمرار، الحالة الاحتجاجية السابقة على الوباء إذ شكلت فرصة لتتجاوز الدولة في العراق ولبنان وإيران والجزائر وهونج كونج والبرازيل.

حيث كانت هناك احتجاجات مندلعة وقت تفشي الوباء، واستغلتها الأنظمة في إضعاف حركات المجتمع الاحتجاجية تلك مما يثير عديد الأسئلة حول الديكتاتورية والديمقراطية باعتبارها تصنيفات تلتصق بالدولة بقدر التصاقها بالأنظمة السياسية أيضا.[6]

وإذا كان التأثير الفوري لفيروس كورونا هو إخماد كل أشكال الاضطرابات والاحتجاجات، بحيث تجبر الحكومات بنوعيها الديمقراطية والسلطوية سكانها على الالتزام بالحجر الصحي، فإن خلف أسوار المنازل والسجون ومخيمات اللاجئين يوجد أناس يُعانون حتى قبل تفشي الفيروس، وتتفاقم أوضاعهم وتتعاظم مأساتهم، وتتولد الصدمات، مما يؤدي إلى احتمالية انفجار هذه الضغوط، ومن تم خروج الاحتجاجات الشعبية لإسقاط أي نظام يرون فيه عدوهم.[7]

نحن إذن أمام سياق خوف يسمح بنمو خطاب شعبوي يتمحور حول الفرد الحاكم وأهميته على حساب مفاهيم الدولة وأدوارها، ويتم التعتيم عمدا على أية إنجازات وجهود للمجتمع في مواجهة الوباء، بل وأحيانا هدمها كما حصل لمستشفى ميداني أقامه أهالي البحيرة في مصر بجهودهم الذاتية، في تغييب متعمد من قبل السلطة الحاكمة لأي محاولة مجتمعية جادة للقضاء على الوباء.

إذ تحرص هذه السلطات على أن لا ينسب فضل في مواجهة الوباء لغيرها وغير سياساتها وهو ما يهدم فكرة الدولة كإقليم وشعب وسيادة وأدوار اقتصادية واجتماعية لصالح فكرة الدولة كسلطة ما يخلق كراهية لفكرة الدولة ذاتها ويجعلها فكرة سلطوية بالأساس، يساند هذا الخطاب سياق يصعد فيه اليمين المعادي للمؤسسات والصحافة والمجتمع، ففي الولايات المتحدة يرى ترامب أن الصحافة عدو للشعب الأمريكي، ويخوض صراعات شخصية مع العديد من الصحفيين والكتاب، كما أن الصحفيين يتعرضون لانتهاكات عديدة في زمن كورونا جراء استغلال الأنظمة الديكتاتورية لهذه الوضعية لتحكم قبضتها على مجال حرية التعبير.[8]

وكذلك فإن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت من هذا الخطاب الشعبوي وقت الأزمة مثارا للسخرية والاحتجاج، فقد كانت سياسات الرؤساء والحكومات الشعبوية في الولايات المتحدة وإيطاليا والبرازيل وحتى إيران تتعامل مع الوباء باستخفاف شديد في البداية، وبعضها قال بمناعة القطيع تحت وطأة التأثر الاقتصادي الشديد، ثم تراجع عنه تحت وطأة أزمة انهيار النظام الصحي، هنا نجد جدلا أكبر يثور حول الدولة الفيدرالية وأنظمة الحكم المركزية، فقد مثلت اللامركزية والنظام الفيدرالي مخرجا للدولة في كلا من البرازيل والولايات المتحدة إذ استطاعت الحكومات المحلية وحكام الولايات مخالفة الرئيس والحكومة الفيدرالية في كثير من الإجراءات والسياسات المرتبطة بالوباء[9]، بينما في الدول المركزية فإن أخطاء الحكومة المركزية وسياساتها تنسحب على الجميع، وفي بلدان تغيب عنها العدالة المكانية لتوزيع المستشفيات والأطباء والمستلزمات والنفقات الصحية كمصر يصبح الوضع أكثر كارثية وخطورة.

كما أن النقاش في مصر حول وباء فيروس كورونا يسوده طابع المكايدات السياسية، ويتسم بالاستقطاب الذي يسيطر على النقاش العام ويغطي على إمكانية بدء حوار جاد حول مستقبل مصر فيما بعد كورونا. فالتصدي للفيروس ينضوي على تحريك عجلة الاقتصاد، بما يتطلبه ذلك من إدارة لـلنظام الصحي وتقويته، والاقتصاد، والمجتمع، وتحديات الأمن القومي، مع توفير الشروط الضرورية لمعالجة الأزمة السياسية.[10]وهي معارك مؤجلة حول الدولة ورؤيتنا لها ولأدوارها وعلاقات القوة بينها وبين المجتمع والنظام السياسي.

عودة الجدل حول أهمية دولة الرفاه عالميا والتقهقر نحو الحد الأدنى مصريا:

مع بدء تفشي الوباء بدأت حكومات العالم في اتخاذ حزم إنعاش للاقتصاد غير مسبوقة والمفارقة هنا أن أكثر النظم يمينية وهي نظام ترامب في الولايات المتحدة، وحكومة بوريس جونسون في المملكة المتحدة لسياسات في جوهرها لم يكن لليسار ولا ماركس نفسه أن يتخيل أن تتخذها حكومة يسارية، وقد يرى البعض أن هذا إسقاط للإيديولوجيا، لكنه يعيد الجدل حول دور الدولة في الاقتصاد بقوة وبشكل لم يكن متوقعا تحت أي ظرف آخر، حيث تدفع الحكومات رواتب القطاع الخاص، أي أن الأزمة أعطت شرعية أكبر لمقولات يسارية ناقدة للوضع الاقتصادي والاجتماعي القائم والهش ووضعت أسئلة الملكية الاقتصادية وإعادة التوزيع في صميم صناعة السياسة في لندن وواشنطن وبالتالي في غيرهما من اقتصادات العالم.[11]

إذن نحن أمام وضع جديد تفرضه الأزمة قوامه السخط على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت لوضع هش تقف فيه النظم الصحية عاجزة أمام وباء، وفي مصر وقفت فيه الدولة والسلطة الحاكمة لها عاجزة عن أن تفرض إرادتها على القطاع الخاص، ولوبي رجال الأعمال فيما يتعلق بالوباء وضرورة الاستجابة العلمية له، وتنحية منطق الأرباح جانبا ولو مؤقتا كي يربح الجميع وتستمر معادلة الفساد والاستبداد الحاكمة، إلا أن هذا اللوبي قالها واضحة أنه لا تعنيه حياة الناس مقابل الأرباح، وفي الوقت الذي يتنكر فيه لوبي رجال الأعمال للمجتمع الذي تربح منه بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فإن الدولة تحمِّل جزءًا كبيرا من مسئولية مكافحة الوباء للمجتمع المدني الذي لطالما اضطهدته عبر السنوات الماضية سواء بالغلق أو التضييق على أنشطته.[12]

وقد أبرزت الأزمة إشكالية إزاحة المجتمع من عملية صنع وتنفيذ السياسات، على مدار عقود ثم محاولة استنهاضه وقت الأزمة، وبالطبع فإن المجتمع المتدخل وقت الأزمة لن يعود إلى وضعية ما قبلها حيث يتم إرجاع أية إنجازات لعمل أهلي لصندوق تحيا مصر والمؤسسات الشريكة له ومبادراته، وهي المبادرات التي يركز إعلام الدولة، والإعلام الخاص المملوك لدول حليفة للنظام السياسي المصري على إبرازها وفقط، بينما المجتمع المدني غير الرديف للنظام السياسي يشق طريق التسويق لنفسه عبر السوشيال ميديا ودوائر وشبكات العلاقات الشخصية، وبالتالي تتزايد أزمة مصداقية هذا الإعلام والفجوة بينه وبين الواقع كما تتخلق شبكات لسد الفراغ بين الدولة والمجتمع.

وأمام تزايد النقد الموجه للسياسات الاقتصادية المتبعة للتعامل مع الأزمة سواء بحزم الإنقاذ المالية الكبيرة والتي اتبعت على نطاق واسع في مختلف البلدان، من حيث كونها غير مجدية وستكون بطيئة للغاية في تحفيز الاقتصاد،  لأنها لن تصل إلى الأسر والمستهلكين الذين ينبغي أن يكونوا هم المستفيدون الحقيقيون من أي حزمة مساعدات مالية، بل ستكافئ الأغنياء الذين لا ينفقون الكثير من دولاراتهم الإضافية، دون وضع المال في أيدي الفقراء والطبقة الوسطى الذين هم من ينفقون فعلًا[13].

ينطبق هذا إلى حد بعيد على الوضع في مصر، فبينما خصص النظام المصري حزمة تحفيزية للاقتصاد بحدود 120 مليار جنيه، فإن 50مليارا منها وجهت للقطاع العقاري و50 ملياراً أخرى وجهت لقطاع السياحة لتجديد المنشآت السياحية، مع حزمة إعفاءات ضريبية ودعم مصدرين وتقسيط ضرائب عقارية بينما لا يبدوا في المدى المنظور أن أيا من القطاعين سيتعافى من الأزمة أو سينشط، إذ يتركز الاهتمام الأساسي للمواطنين على الغذاء والدواء والاحتفاظ بالأموال السائلة تحسبا للظروف الوبائية، واقتصر نصيب قطاع الصحة على 3.8 مليار جنيه من هذه الخطة في شهر مارس 2020.[14]

كما أن حزم الإنقاذ وسياسات التقشف الحكومي التي اتبعت في بعض البلدان، ستؤثر على العديد من المشروعات القومية الكبرى المرتبطة بخطط وقيادات سياسية مثلما هو الحال في السعودية ورؤية 2030 التي تواجه تحديات تمويلية حقيقية في ظل تبعات أزمة كورونا وعلى رأسها انهيار أسعار النفط، ولهذه السياسات آثار اقتصادية واجتماعية قاسية، ففرض بعض أنواع الضرائب لأول مرة في بعض دول الخليج لن يكون مأمون العواقب، فالمواطن دافع الضرائب لن يكون بالطبع نفسه مواطن العقود الاجتماعية الريعية، بل سيعتقد أن له حقوقا واستحقاقات بالتبعية.

أي أن هذه النظم ستواجه تحديات نوعية وجديدة كلياً عما كانت تواجهه في السابق، لقد أربك تفشي الوباء حتى أكثر الدول التي تتركز فيها الثروات وأصبحت دول كدول الخليج العربي رغم ما تبدو عليه من نجاح في مواجهة الأزمة على المحك في مواجهة تحديات قطاع الرعاية الصحية الخاضع في أغلبه لمنطق رأس المال والسوق الذي تتحرك فيه العمالة الوافدة نحو البلدان التي تدفع أكثر كما تواجه سلاسل الإمداد الغذائي لتلك الدول أزمة حقيقية فرضتها الوباء وهو ما يضع الأمن الغذائي لها على المحك أيضا.[15]

وقد زادت الأزمة من مشكلات هذه الدول مع الدول المرسلة للعمالة ولعل تصاعد خطابات التحريض ضد الوافدين في بعض هذه الدول وتصاعد أزمة المخالفين منهم أحد مظاهر تلك الأزمة ومن ثم قد يفرض الوباء على تلك الدول مراجعة السياسات المرتبطة بالعمل والتركيبة السكانية لها في ظل أوضاع انكماشية وسياسات تقشفية وقد يهدد ذلك علاقاتها التاريخية بدول حليفة لها.[16]

أيضا فإن الدول المرسلة لتلك العمالة كمصر، تواجه تحدياً جوهرياً يرتبط بعودة مفاجئة لتلك العمالة وهو ما يتطلب سياسات وخطط إجلاء وتوفير أماكن عزل بشكل عاجل، وعلى المدى المتوسط توفير فرص عمل، وإلا فإنها ستواجه انفجارا في معدلات البطالة، لم يكن في الحسبان مع تراجع شديد في التحويلات التي كان يرسلها هؤلاء العاملون في الخارج، كأحد أهم مصادر التمويل الدولي للاقتصاد المصري، وقد شهدت المؤسسات المسئولة عن تلك السياسات ارتباكا شديدا.[17] وهذا الارتباك يولد موجات احتجاج ونقد شديدة للسياسات الحكومية ويضعف الثقة بين هذه العمالة العائدة والدولة المصرية، ويجعل قرار استقدام عمالة مصرية مستقبلا أمرا أكثر صعوبة، وهو ما يعني احتمالية استمرار هذه الأزمة وآثارها لسنوات.

يتشابك مع هذا ما تعانيه تلك الأنظمة في علاقتها بالوافدين كجزء أساسي من قوة العمل إذ مع تضرر هؤلاء من هذه السياسات وعودة الكثير منهم إلى بلدانهم، تتباطأ عجلة النمو أكثر ويتزايد الركود كما بدأت تداعيات الوباء على هذه العلاقة، بمواجهة السلطات لاحتجاجات قوية من قبل مجتمعات الوافدين سواء على تعامل بعض الأنظمة الخليجية معهم أو على تجاهل بلدانهم لهم مثلما هو الحال من احتجاجات بعض الجاليات المصرية في الكويت والسعودية تحديدا للضغط على الحكومة المصرية لإجلائهم.

وفيما تتصرف هذه الدول بحرية أكبر في التعامل مع قطاعها الصحي والعمالة الوافدة فإن سياسة دولة الحد الأدنى في مصر قادت إلى ما يشبه احتكار شركة إماراتية واحدة للقطاع الصحي غير الحكومي في مصر، حيث قامت شركة أبراج كابيتال الاقتصادية الإماراتية  بشراء أكثر من 122 مستشفى خاصًا علاوة على استحواذها على سلاسل معامل التحاليل الأوسع انتشارا مثل المختبر والبرج وهو ما يمثل خطرًا شديدًا على منظومة الصحة والأمن القومي المصري إذ أدى هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار الخدمات الطبية وجعل شريحة محدودة قادرة على الوصول للحق في الصحة وللعلاج وبهذه السياسة أسهمت الشركة الاحتكارية، في القضاء على مسألة تطوير القطاع العام[18].

ورأينا كيف رفضت هذه المستشفيات استقبال حالات كورونا دون الحصول على الأسعار التي تحددها، وتسهم هذه الوضعية في إضعاف قدرة الدولة على الاختراق والتغلغل إذ تحول شبكات المصالح المتكونة حول القطاع الخاص الطبي دون قدرة النظام السياسي على فرض أية سياسات طارئة تتعلق بالتسعير خوفا من تبعات غضبة مستثمري أبوظبي ويتهدد حق المواطنين في الصحة ويتوقف على قدراتهم المالية.

خاتمة:

في مواجهة الوباء نجد أن معظم الدول التي عظمت أدوارها وعززت قطاعاتها الصحية العمومية ورسخت مفهوم الإنفاق العام على الصحة والتعليم كحقوق ولم تفرط فيها كقطاعات استراتيجية لا يمكن تركها للقطاع الخاص والاكتفاء بدور تنظيمي، هي الدول التي تعافت بوتيرة أسرع أو حققت تعايشا سلسا مع الوباء، ومن ثم فإن أدوار الدولة في القطاعات الحيوية ينتظر أن تتعزز بعد الوباء، كما ينتظر أن تتوارى دول الحد الأدنى وأن تعيد المجتمعات تفكيرها في علاقتها بالدولة والأنظمة السياسية بناء على السياسات التي اتبعتها الأخيرة في مواجهة الوباء.

وتشير التحولات في سياسات النظم السياسية المختلفة في تعاملها مع الوباء إلى أن هناك حاجة ماسة للعودة إلى البعد الإنساني، والأسبقية للمجتمع قبل الاقتصاد والربح في إعادة بناء نظام ديمقراطي اجتماعي، يكون بمثابة تصحيح في حقبة يصفها البعض بأفول النيوليبرالية.

بالنسبة للوضع المصري فإن الوباء قد ضرب البلاد في ظل حالة اختزال واضحة ومتعمدة لمفهوم الدولة والنظام السياسي في شخص رئيسه، ثم في أشباه المؤسسات العسكرية والأمنية، وهنا يبدو أن نتائج تخلي الدولة عن أدوارها غير الأمنية لعقود أثمر نظماً صحية وتعليمية هشة، ومؤسسات متحللة لصالح جهات أمنية وأجهزة سيادية متوحشة، والاستمرار في هذا المسار يبدو مستحيلا لأن هذه الأجهزة مع الوقت تضعف قدرتها على فهم وتحليل طبيعة المجتمع وتضعف قدراتها على ضبط الأوضاع في ظل الأزمات، ولذا قد يقود هذا إلى وضع النظام الضعيف والدولة الضعيفة وهو وضع شديد السوء.

ومن مظاهر هذا السوء أن الدولة ومؤسساتها وسياساتها تصبح أدوات في أيدي شبكات مصالح تشغل النظام السياسي والمجتمع لصالحها وتفرض عليها خياراتها غير العلمية وغير المنطقية، في ظل وباء تارة بالتهديد بتردي الأوضاع الاقتصادية، وأن من يموتون جوعا قد يصبحون أكثر ممن يموتون بالوباء، وتارات أخرى بفرض الإذعان لطلبات هذه الشبكات بتسعير كل شيء وإخضاعه لمنطق السوق، وبالتالي تفقد مفاهيم الوطن والدولة والمجال العام والخدمات العامة المرتبطة بها أية معاني، ويعود الناس لولاءاتهم التقليدية لمحاولة التغلب على الوباء وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، وتفقد الدولة أسباب وجودها والإذعان للنظام السياسي الحاكم فيها.

وبينما تصاعدت المطالبات بالعودة لدولة الرفاه وأسس العدل الاجتماعي والديمقراطية الاجتماعية نجد أن هناك محاولة للوصول لدولة الحد الأدنى مصرياً، بحيث لا يتبقى من مفهوم الدولة سوى الأمن والحرب على الإرهاب، كمناط لتأسيس شرعية السلطة السياسية، وكمبرر لسياسات داخلية وخارجية تقوم على تصنيف كل من يعارض النظام السياسي كإرهابي يجب أن نحاربه وأن يساعدنا العالم في هذه الحرب.

ويتبقى التأكيد أن على النخب السياسية أن تتنبه لخطورة الاستخدامات الاستقطابية للوباء، وضرورة أن تدير حوارات وطنية موضوعية حول السياسات والبدائل اللازمة لما بعده، لبناء دول أقرب إلى دول الرفاه والعدل الاجتماعي، وسياسات أكثر عدالة واستدامة وقدرة على مواجهة التسلط والاستبداد وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتوزع فيها السلطة بشكل لامركزي.


الهامش

[1] إيمان النمر، حلم دولة الرفاه الاجتماعي.. من يدفع فواتير التغيير الباهظة؟، موقع تي أر تي عربي، بتاريخ 21/4/2020، https://bit.ly/2ZjxDl7

[2] Sven Biscop, Coronavirus and Power: The Impact on International Politics, Egmont Institute, Policy Breaf No 126, March 2020, pp1-2, https://bit.ly/2RRkqgi

[3] هشام جعفر، الجمهور في زمن كورونا، مدى مصر، بتاريخ 23/6/2020، https://bit.ly/31rKMLv

[4] محمد الشرقاوي، التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية – (الجزء 1)، مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 23/3/2020، صـ14، https://bit.ly/2AjLcrM

[5] رفيق عبد السلام، أزمة كورونا وإعادة انتشار الدولة، العربي الجديد، بتاريخ 24/4/2020، https://bit.ly/2ZA5OVZ

[6] The Economist,Autocrats see opportunity in disaster, 23/4/2020, https://econ.st/2WpCI9Q

[7] Andreas Kluth, This Pandemic Will Lead to Social Revolutions,  Bloomberg, 11/4/2020, https://bloom.bg/3a73wRg

[8] Farhana Haque Rahman, Press Freedom Needs Protection from Pandemic too,Inter Press Service, 30 /4/2020, https://bit.ly/2z1DFNU

[9] The Economist, Covid-19 and America’s political system, 2/4/2020, https://econ.st/39OK4Zb

[10] هشام جعفر، مصدر سابق، https://bit.ly/2VL0MnE

[11] JAMIE MAXWELL, In Pandemic Policy Response, the Left Has a Leg Up, Foreign Policy, June 17, 2020, https://bit.ly/2V0C42G

[12]  عمر سمير، الشعب يريد القضاء على كوفيد، فكر أونلاين، بتاريخ 15/4/2020، https://bit.ly/2VrMGbc

[13] محمد الشرقاوي، التحولات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية – (الجزء 2)، مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 23/3/2020، صـ6، https://bit.ly/3crcASW

[14] انظر الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء المصري، وكذلك الصفحة الرسمية لوزارة المالية المصرية على فايسبوك، بتاريخ 26/3/2020، https://bit.ly/2VooJld

[15] إسماعيل نعمان تلجي، تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد في الخليج: التحديات والصعوبات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بتاريخ 16/4/2020، https://bit.ly/2VWV7Mf

[16] شروق الحريري، مصر والكويت علاقات تاريخية تشوبها مصرفوبيا كويتية، موقع فكر أونلاين، بتاريخ 24/5/2020، https://bit.ly/3dLbAZC

[17] عمر سمير، المصريون العالقون بالخارج .. استغاثات متصاعدة واستجابات مرتبكة، موقع فكر أونلاين، بتاريخ 2/5/2020، https://bit.ly/2Y4oSMe

[18] السيد رأفت العابد، الإمارات والقطاع الصحي في مصر، المعهد المصري للدراسات، بتاريخ 21/11/2017، https://bit.ly/31v9NFQ

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close