fbpx
تقديرات

الذكري الثانية للانقلاب وتحولات المشهد الراهن

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

قام نظام “3 يوليو” بحملة ممنهجة لتشويه ثورة 25 يناير، باستخدام آلة إعلامية جبارة يقوم عليها محترفون في الكذب والبروباغندا، ما دفع قطاعات شعبية لاستمراء وقبول ما يحدث من قمع لشباب الثورة، وعزز متلازمة الثورة والفوضي، وقام بشيطنة وتشويه أحد أهم الفصائل والقوى السياسية في مصر، وهي جماعة الإخوان المسلمين، بنشر الأكاذيب وتهيئة الأجواء للتخلص من قياداتها، ووصل الأمر إلى حد قبول المجتمع بقتل مئات من المنتمين لهذه الجماعة، واعتقال آلاف وتشريدهم، وذلك لكي يضمن عدم وجود تهديد حقيقي لسلطته. كما فرض حصاراً قانونياً على كل من يفكر بالتظاهر أو الاحتجاج على الأوضاع القائمة، فأصدر قانون التظاهر الذي أصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الجميع، وأصدر عشرات القوانين والمراسيم التي تضمن له السيطرة على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بحيث أصبح متحكما في كل شيء تقريباً، وقام بعملية اختطاف منظمة لعشرات من الشباب وإخفائهم قسرياً، من دون أن يعلم عنهم أحد ( ).

وشهد شهر يونيو 2015 والأسبوع الأول من يوليو 2015، عدداً من الأحداث والتحولات البارزة التي انعكست على مسارات الأوضاع في مصر، ففي ظل التعبئة من جانب القوى الثورية إما لتحقيق اصطفاف وطني جامع قبل الذكري الثانية لأحداث 30 يونيو وانقلاب 3 يوليو، وفي المقابل تعبئة مضادة من جانب داعمي الانقلاب العسكري، شهدت مصر عدداً من الأحداث التي تم الاستفادة منها من جانب الانقلاب العسكري لتمرير ذكري الانقلاب دون تغيير كبير أو مؤثر في المشهد، ومن بين هذه الأحداث:

1ـ إغتيال النائب العام:

حيث تم اغتيال نائب الانقلاب هشام بركات في 29 يونيو 2015، وقبل يوم واحد فقط من الذكري الثانية لتظاهرات 30 يونيو، وفي نفس اليوم الذي تم فيه الاغتيال واستباقاً لكل الإجراءات التي يجب القيام بها، قامت الهيئة العامة للاستعلامات بتوزيع بيان بعدة لغات على مختلف دول العالم، تتهم فيه جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراء الحادث، وتعدد التصريحات الصادرة عن قائد الانقلاب حول كيفية المواجهة وتهديداته بالتشدد في القوانين والأحكام، وضرورة الفاعلية في التنفيذ.

2ـ سيناء تشتعل:

حيث انفجرت الأوضاع في شبه جزيرة بعد ما تناقلته وكالات الأنباء عن قيام ما يسمي تنظيم الدولة الإسلامية باستهداف كل المقرات الأمنية والكمائن العسكرية للجيش في مدينة الشيخ زويد ، والإعلان عن مقتل نحو 70 شخصاً من الجيش، ثم اشتعال الأوضاع وإعلان الجيش عن سقوط المئات ممن أسماهم الإرهابيين في سيناء.

ورغم عدم توافر الكثير من المعلومات عن الهجوم الأخير (1 يوليو 2015) لتنظيم “ولاية سيناء” التابع لتنظيم “الدولة الإسلامية” على الجيش المصري في سيناء، إلا أن الهجوم يعد الأعنف حتى الآن.

ويجب أخذ نقاط عدة في الاعتبار، عند تحليل هذا الهجوم. أولها، أن معظم ما نعرفه عما يحدث في شبه جزيرة سيناء مبني على تكهنات، إذ يصعب الوصول إلى شمال سيناء، ويتوقع أن يكون هناك العديد من الاحتمالات حول كيفية حدوث هذا الهجوم. لكن هناك بعض الأمور الواضحة:

الأول: أن بعض أهالي سيناء، تحديدا سكان الشيخ زويد الذين يبلغ عددهم 60 ألفا، يؤخذون كرهائن بحسب أحد خبراء المنطقة، إذا يشمل الصراع الأهالي الذين يعيشون في سيناء بشكل عام، وليس فقط الجيش والمسلحين، ويبدو أن المحللين الأمنيين في مصر وخارجها اتفقوا على أن أحد أهم مشاكل الصراع في سيناء هو أن الجيش المصري يعتبرها ساحة قتال تقليدية. وبحسب عدد من المصادر، فلا يوجد تركيز على طرق وخطط خاصة مضادة للهجوم، والأمر كذلك أيضا في ما يتعلق بتسليح القوات. ويرى عدد من الخبراء أن الجيش المصري لن يغير من تركيبته الأساسية للقوات القتالية طالما لم يتوصل العالم العربي لسلام دائم وإقليمي مع إسرائيل. لكن الجيش المصري بحاجة إلى قوات مختلفة تماما لمواجهة الجهاديين في سيناء.

الثاني: وثقت المنظمات الحقوقية ومجموعات حقوق الإنسان روايات من شهود العيان في سيناء، وأثارت مخاوف من أن الجيش المصري لا يهتم بكسب ثقة السكان أو تعاونهم، بل تطبق القوات خطط باطشة تثير استياء السكان المحليين ضدها. وإذا ثبتت صحة هذه التقارير، وانتشرت مشاعر الاستياء بين المحليين، فسيزيد ميلهم إلى الانضمام للمسلحين، وستتأثر قدرة المخابرات على جمع معلومات عن المسلحين. ومن الواضح أن أفراد ولاية سيناء يعرفون شبه جزيرة سيناء عن ظهر قلب، وهو ما يتعين أن تكون عليه قوات الجيش المقاتلة، وهو أمر يعتمد على العلاقات الجيدة مع المحليين. والأسوأ أنه حال تدهور العلاقات بين السكان المحليين والجيش بسبب خططهم الحالية، فإن أمد بقاء تنظيم ولاية سيناء سيزيد.

وإذا أرادت السلطات المصرية التعامل مع الخطر في سيناء بنجاح، يجب أخذ أمرين في الاعتبار:

الأول: هو توافق الخطط المطبقة في سيناء مع خطة أشمل مضادة للهجمات والجهاديين، مما يتطلب الاهتمام بمشاكل السكان المحليين، وعدم تجاهلها. ومشاكل المحليين، التي ستضر بالصراع في مرحلة ما، تتعلق بالأساس بعدم اهتمام السلطات بتنمية سيناء. وهذه المشاكل لا تؤدي بشكل مباشر إلى انضمام السكان للجهاديين، لكنها تسهل المهمة.

الثاني: القوات المصرية بحاجة إلى خطة، وتدريب، وتسليح خاص بمحاربة العناصر الجهادية، وليست الخطط القتالية المعتادة. وقد أثبتت الأيام الأخيرة أن الخطة الحالية غير ناجحة، وأن المصريين هم من يدفعون الثمن( ).

و تجدر الإشارة إلى تداول بعض المعلومات حول تحرك بعض أفراد من تنظيم ولاية سيناء نحو الداخل، و إن صحت هذه المعلومات فسيشكل ذلك منعطفا خطيرا في تصاعد أعمال العنف، ليس في سيناء فقط، و لكن في شتى أنحاء البلاد.

3ـ التصفية الجسدية لعدد من قيادات الإخوان:

فى إحدى الشقق السكنية في منطقة السادس من أكتوبر، والذي جاء فى وقت تشتعل فيه سيناء، وهو ما فسره البعض برغبة النظام الحاكم في توجيه الأضواء والاهتمام عن المجزرة التى تعرض لها الجيش في سيناء، والفشل الذريع للجيش فيها، إلى مجزرة بديلة حقق فيها، الجيش والأجهزة الأمنية (كما أعلنوا) اختراقاً كبيراً ونجاحا في مواجهة ما أسموه “مخططات تنظيم الإخوان الإرهابي”، فضلا عن الإيحاء بأن هذه العملية جاءت ردا انتقاميا على حادث اغتيال النائب العام بعد إلقاء التبعة على الإخوان في بيان هيئة الاستعلامات و كذلك في كلمة السيسي أثناء الجنازة التي ردد فيها زورا أن أوامر الاغتيال جاءت من داخل القفص (بإشارة من الرئيس مرسي، رغم أن هذه الإشارة المزعومة تم رصدها عقب حادثة الاغتيال و ليس قبلها).

و قد وردت بعض المعلومات أن قيادات الإخوان كان قد ألقي القبض عليها، ليس في مكان واحد، و تم أخذ بصماتهم كما ظهر على أصابعهم، و بعد ذلك تم تجميعهم ثم اغتيالهم بدم بارد.

وفي تعليقها على هذه التطورات ذكر الببان الصادر عن جماعة الإخوان في (1 يوليو 2015) أنه “في الوقت الذي تقتل تنظيمات مسلحة عشرات من جنود الجيش المصري في سيناء بكل سهولة وكأن سيناء خالية من أي تواجد عسكري حقيقي، تقدم سلطة الانقلاب العميلة على جريمة اغتيال عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، أعضاء لجنة الدعم القانوني والحقوقي والنفسي للمضارين من أسر المعتقلين والشهداء بالجماعة، الذين استشهدوا واعتقلوا من سلطات الانقلاب المجرمة”. وأكد البيان “إن جماعة الإخوان المسلمين تؤكد أن عملية الاغتيال بحق قياداتها تحول له ما بعده، ويؤسس به المجرم عبد الفتاح السيسي لمرحلة جديدة لا يمكن معها السيطرة على غضب القطاعات المظلومة المقهورة التي لن تقبل أن تموت في بيوتها وسط أهلها.

إلا أن هذا لم يمنع النظام من الإعلان عن اغتيال القيادي بجماعة الإخوان الدكتور طارق خليل، بعد اختفائه لأكثر من أسبوعين تعرض فيهما لتعذيب بشع.

4ـ دعوات حل جماعة الإخوان:

مع تصاعد الضغوط السياسية التي تتعرض لها جماعة الإخوان المسلمين، والتصفيات الجسدية التي نالت قيادتها، تجدد الحديث عن بديل “حل الجماعة”( )، وتعددت التبريرات (القديمة الجديدة) التى يدفع بها مؤيدو هذا البديل ومن ذلك:

• أن الجماعة فشلت في انتهاز الفرصة التي أتيحت لها بعد ثورة يناير في تقديم نموذج إسلامي مستنير للحكم، رغم ما تمتلكه من خبرة سياسية تمتد لأكثر من ثمانية عقود منذ تأسيسها عام 1928 وحتى الآن، وهو ما ظهر واضحاً في نقص الخبرات والكفاءات والقيادات القادرة على إدارة تحديات المرحلة الانتقالية في مصر، أو على الأقل عدم القدرة على توظيفها، وهو ما سمح لخصومها النيل منها وتشويه صورتها، وهو ما ظهر جلياً في معدلات الشعبية التي تتمتع بها والتي انخفضت بشكل كبير في نهاية العام الأول من حكم الدكتور محمد مرسي.

• أن الجماعة رغم أنها تمثل العمود الفقرى لمواجهة الانقلات العسكري، وتحالف دعم الشرعية، الذي تأسسس دفاعاً عن شرعية دستور 2012، وشرعية الدكتور محمد مرسي، والحفاظ على مبادئ ثورة يناير، فإنها لم تنجح في تحقيق نجاحات حقيقية في هذه المواجهة، بل على العكس من ذلك تزداد السلطة العسكرية التي تشكلت بعد الانقلاب ترسخاً وثبوتاً وتفرض مزيدا من هيمنتها على مقدرات الدولة والمجتمع حتى ولو كانت هذه الهيمنة عبر آلتها الأمنية والقمعية. ويرد أنصار هذه الرؤية عدم نجاح الجماعة إلى العديد من الاعتبارات منها شيخوخة القيادة، وتقليدية السياسات وعدم ثورية القرارات، وهيمنة النظرة التنظيمية على إدارتها للمشهد في مواجهة الانقلاب، وعدم مراعاتها للمتغير الجديد المتمثل في تصاعد دور الشباب في الحراك الثوري الميداني وتحجيم هذا الدور عبر قرارات وإجراءات وممارسات تنظيمية في معظمها.

•أن حل الجماعة يُجنب قادتها والمحسوبين عليها والمنتمين بها الملاحقات الداخلية والخارجية، ويسقط الحجة التي يتذرع بها قادة الانقلاب في التوسع في استخدام القمع والقهر، ويحرمهم من مبررات المواجهة، لأنه لم يعد هناك جماعة، بالأساس تحمل هذا الاسم.

•أن بديل حل الجماعة يمكن أن يكون وسيلة لأخذ إستراحة محارب وبالتالي لإعادة البناء ومراجعة الرؤي والمرجعيات والهياكل والتنظيمات وكذلك الممارسات والإجراءات، والاستفادة في ذلك من تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، والذي تعرض للعديد من الأزمات والحل أكثر من مرة خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ثم عاد قوياً ليهيمن على الحياة السياسية في تركيا منذ عام 2002 وحتى الآن ويحقق من الإنجازات ما يشبه المعجزة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا.

ولكن أمام هذه الدعوات جاء التأكيد الحاسم من عدد من قيادات الجماعة على الثبات والصمود و الاستمرار والتمسك بمبادئها وهياكلها، مع التطوير المستمر في الرؤي والأفكار والمنطلقات والهياكل، وذلك استناداً إلى عدد من الاعتبارات الأساسية:

•أن إعلان الحل من شأنه أن يؤدى لأزمة فكرية شديدة بين أبناء الجماعة وأنصارها والذين تربوا على مبادئ وقيم الجماعة عبر ثمانية عقود، وإعلان الحل يعني بالنسبة لهم عجزا وعدم قدرة على إدارة الأزمة التي تتعرض لها الجماعة منذ الانقلاب العسكرى وحتى الآن.

•أن إعلان الحل سيعطي الفرصة لقادة الإنقلاب وآلته الإعلامية لمزيد من الحشد والتعبئة ضد الجماعة وتاريخها، والاستمرار في سياساتهم الاقصائية الاستبدادية، في ظل وجود قضاء مسيس ودولة عميقة متواطئة ضد ثورة يناير والمدافعين عنها، وفي مقدمتهم الإخوان المسلمين.

•أنه إذا كان من بين أهداف “أطروحة الحل” وقف الهجمة الشرسة التي يتعرض لها أبناء الجماعة وأنصارها من جانب قادة الانقلاب ومؤيديه، فإنه لا توجد ضمانات حقيقية لذلك أمام هيمنة الأجهزة الأمنية على مقدرات الدولة السياسية والاقتصادية والإعلامية، واستغلالها في الإطاحة بمعارضيها، وخاصة مع وجود بيئة دولية وإقليمية حاضنة وداعمة للانقلاب العسكرى وقادته، وتستخدمه كأداة لتنفيذ أجنداتها في المنطقة.

•أن الجماعة لا تمارس فقط عملاً سياسياً، ولا تسعي فقط لأداء دور سياسي، ولكنها عبر تاريخها تمارس العديد من الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية والخدمية والدعوية والفكرية، ولم يعد هذا الدور قاصراً على مصر، ولكنه امتد عبر عشرات الدول، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل إعلان “حل الجماعة” لما يمثله هذا الإعلان من هدم لبناء ترسخت جذوره عبر عدة عقود، حتى لو كانت هناك أخطاء في الممارسة في جانب من الجوانب الحياتية.

•أن الحديث عن “حل الجماعة” باعتباره استراحة محارب غير منطقي، لأن المنطقي أن المحارب لا يستريح بل يقوم بالتطوير والتحديث والإصلاح وهو صامد على الحدود والثغور التي يتولى عبء الدفاع عنها وحمايتها، ولذلك لا مجال للاستراحة وخاصة أن منطق الجماعات يقوم على ضرورة تعرضها للأزمات، وأن عليها أن تُطور من أساليب مواجهتها وإدارتها لهذه الأزمات، حتى لو كانت كارثية.

•أن هناك فارق كبير بين مفهومي “الهدم” و”إعادة الهيكلة”، وفكرة الحل أقرب للهدم منها للبناء أما إعادة الهيكلة فتقوم في جوهرها على المراجعة الدورية للرؤي والتصورات، للأهداف والغايات، للخطط والسياسات، للإجراءات والممارسات. وهو ما يمكن أن يتم وبشكل جاد وحاسم وجذري دون إعلان حل الجماعة، بل التأكيد على الاستمرار والاستقرار مع التطوير والتغيير.

• أن الجماعة بما لديها من تنظيم و كوادر و انتشار يفوق أي تنظيم أخر في مصر عليه مسئولية تاريخية للاستمرار في قلب الثورة المصرية المستمرة دون انقطاع في مواجهة ثورة مضادة عاتية.

وفي إطار هذه الاعتبارات والاعتبارات المضادة، يرى البعض أن الجماعة استقرت على فكرة المواجهة الطويلة وباتت في حالة تأهب لما هو قادم من دون رغبة في التراجع، لكنها في الوقت ذاته ما زالت تراقب بشدة مستوى استخدام أساليب القوة بين صفوف شبابها، وما زال أفرادها في عموهم يفرضون حالة ممانعة من التورط في العنف الممنهج الذي يحاكي عنف الجماعات التدميرية أو الإرهابية، وهو الأمر الذي قد يدفع إلى بروز حالات انشقاق بين الشباب، ومصبّ هذه الانشقاقات هو الجماعات التكفيرية، التي تحقق رغباتهم في القصاص أو الإنتقام السريع، أو ربما سيشكلون ما يُعرف في أدبيات تحليلات جماعات العنف “ذئاب منفردة”( ).

وفي هذا السياق طرح أحد الباحثين سؤالاً: ماذا على الجماعة أن تفعل؟ وانتهي في الإجابة إلى أنها لا تخرج عن خيارين: إما أن تطرح الجماعة مبادرة أو رؤية للحل السياسي، تحصل فيها على مباركة وتأييد القوى الرافضة للوضع القائم، وكذلك القوى الإقليمية والدولية التي من مصلحتها حل الأزمة السياسية في مصر، وبمقدورها فرض الحل على النظام الحالي، على أن يتم طرح هذه المبادرة للنقاش والحوار، بعيداً عن الإعلام والمزايدات السياسية. أو أن تتعاطى الجماعة بواقعية، ومن دون تخوين أو استخفاف مع مبادرات الخروج من الأزمة الحالية التي تطرحها أطراف سياسية، تشترك مع الجماعة حول تغيير الوضع القائم( ).

5ـ إصدار مسودة قانون الإرهاب:

استغلت السلطات الحاكمة اللغط الدائر بعد اغتيال النائب العام و أحداث سيناء الأخيرة في الدفع بمسودة ما يسمى بقانون الإرهاب الجديد، الذي يشكل منعطفا خطيرا في تصعيد السلطات تجاه القوى المعارضة لها أيا كان توجهها، و إسكات أي صوت معارض أو حتى كاشف لحقيقة ما يحدث. و يمكن من الناحية السياسية رصد عدد من أهم تبعات تطبيق هذا القانون على النحو التالي:

• هناك توسع كبير في تعريف الإرهاب و الجماعة الإرهابية و العمل الإرهابي، و مد نطاقها داخل البلاد و خارجها بشكل كبير، على النحو الذي يمكن السلطات من ملاحقة أي شخص تقريبا بدعوى الخضوع داخل نطاق تطبيق هذا القانون.

• وسع القانون من نطاق الجرائم ليتعرض من “يشرع” في ارتكاب هذه الجرائم لذات العقوبة المقررة للجريمة التامة.

• أعطى القانون تصريحا بالقتل للقائمين على تنفيذه لحماية أنفسهم من أي ضرر يقدرونه هم، و ذلك دون أية مساءلة جنائية، و هو ما يمكن التوسع في تطبيقه في حالات كثيرة مماثلة لجريمة اغتيال قيادات الإخوان مؤخرا في السادس من أكتوبر.

• نص القانون على عقوبات مغلظة شديدة البطش على الجرائم التي عرفها هذا القانون، كما استثنى هذه العقوبات من النزول بها إلا لدرجة واحدة.

• سمح القانون بمحاكمة غير الحاضرين بشكل حضوري و ليس غيابي إذا ما حضر محام عن المتهم، و هو ما يفتح الباب لإصدار أحكام نهائية على كل المعارضين بالداخل أو الخارج دون الحاجة لإلقاء القبض عليهم.

• وضع الأساس الذي يمكن بموجبه مع الأسف الإسراع بإعدام السيد الرئيس و عدد من القيادات الأخرى بجعل حق النقض على درجة واحدة فقط، مع إمكانية أن تفصل محكمة النقض في الدعوى دون إرجاعها إلى محكمة الجنايات مرة أخرى، فضلا عن تخصيص دوائر معينة للنقض على غرار ما تم بالفعل في دوائر الجنايات لأول درجة في جرائم ما يسمى بالإرهاب، و وضع حدا أقصى للفصل في النقض ثلاثة أشهر فقط من تاريخ تقديم الطعن بالنقض، مما يكشف عن النية الجادة في توقيع الإعدام خلال فترة قصيرة.

• وضع عقوبات على الصحفيين الذين ينشرون أية بيانات إلا التي يكون مصدرها السلطات الرسمية فقط.

و قد واجه القانون عددا من الاعتراضات حتى من جهات داعمة للنظام مثل مجلس القضاء الأعلى و نقابة الصحفيين، كما أصدر عدد 17 منظمة حقوقية، جلها من الداعمة لحراك 30 يونيو، بيانا مشتركا باعتراضاتهم على هذا القانون الذي يخلط بين أعمال الإحتجاج و المعارضة السلمية، و بين الممارسات العنيفة الإرهابية.

6ـ الحراك الثوري:

كان من المنتظر أن تتصاعد وتيرة الحراك الثوري باقتراب ذكرى الثلاثين من يونيو و الثالث من يوليو، إلا أنه و بالرغم من صعود مستوى الحراك نسبيا عن الأسابيع التي تسبقه (مع غياب بيانات دقيقة عن ذلك في الوقت الحالي)، إلا أنها لم ترتفع للمستوى المتوقع على غرار ذكرى 25 يناير السابقة أو الذكرى الأولى لفض رابعة مثلا. و يرجع ذلك لأسباب كثيرة أهمها ارتفاع مستوى القمع و البطش من السلطات بشكل غير مسبوق، بالإضافة الى تأثير الخلافات الأخيرة داخل الإخوان، و دخول موسم الامتحانات و شهر رمضان كأسباب ثانوية، فضلا عن إرهاق الحراك المستمر منذ أكثر من سنتين، و إرتفاع دعاوى البعض بعدم جدوى أو كفاية هذا الحراك في تحقيق تقدم حقيقي نحو إنهاء الحكم العسكري.

7ـ دعوات الاصطفاف:

لم تسفر المحاولات المتعددة لتحقيق الاصطفاف الوطني حتى الان عن أية نتيجة ملحوظة، أو التوقيع على أية بيانات مشتركة، على الرغم من توافر معلومات عن استعداد الكثيرين للالتحاق بهذا الركب في ضوء الممارسات شديدة القمعية للنظام، و التي طالت الجميع، و يرجع ذلك أساسا لحالة الخوف الشديد التي تنتاب كافة القوى المعارضة من أن تطالهم هذه الممارسات القمعية بشكل مباشر.

8ـ المبادرات الإقليمية:

رغم تواتر الحديث عن بعض المبادرات الإقليمية في اتجاهات مختلفة، إلا أن الحديث خفت عنها مرة ثانية فيما يبدو بسبب الممارسات شديدة القمعية للنظام المصري مؤخرا مما يصعب معه الحديث عن أية مصالحات أو تسويات.

 

توصيات ومقترحات

يبدو من النظرة السريعة لأخر تطورات المشهد بعد عامين على الإنقلاب العسكري أن كلا الجانبين، الإنقلاب و الثورة، لا تستطيع حسم المشهد ناحيته، فالنظام الحاكم لم يحقق الإستقرار لحكمه و لم يتمكن من تحقيق أية إنجازات ملموسة مما وعد به، سواء الشعب المصري أو حتى الأطراف الإقليمية و الدولية و المحلية الداعمة له، كما يستمر الحراك الثوري رغم كل ما قام به النظام من قمع و تنكيل طيلة العامين الماضيين. و في المقابل، فإن الحراك الثوري يعاني ثباتا و نقصا في القدرة على تطوير نفسه باتجاه حسم المعركة لصالح الثورة.

و يبدو أن النظام الحاكم قد قرر كسر حالة التوازن هذه بالمزيد من الإجراءات القمعية و الممارسات الباطشة غير المسبوقة، و السير في طريق أحكام الإعدام بشكل حثيث على النحو الذي يأمل منه إسكات الأصوات المعارضة للأبد، مع إيقاف الأصوات المتصاعدة في الخارج، على مستوى المجتمعات و الإعلام و ليس الحكومات، و التي بدأت تعمل بشكل ضاغط على حكوماتها لتغيير مواقفها. و في ضوء هذا التحرك من النظام العسكري، يبرز السؤال عما يجب أن تقوم به الثورة في اتجاه التقدم للأمام و وأد الحركة المضادة؟ يحتاج هذا الأمر القيام بتقدير شامل للموقف يمكن من خلاله تحديد خيارات استراتيجية مناسبة للثورة في ضوء السيناريوهات المطروحة، و هو ما يخرج عن نطاق هذه الورقة، إلا أنه يمكن إبداء عددا من الملاحظات و إعطاء بعض التوصيات العاجلة في ضوء قراءة المشهد المقدمة في هذه الورقة.

 

في تقييمه لمسار ومآلات الثورة المصرية، بعد الانقلاب العسكري، ذكر المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي، عددا من الملاحظات الأساسية، تمثل خطوات على طريق مواجهة الانقلاب:

•أنه إذا بقيت الثورة قٌطرية فهي ستخنق بالثورة المضادة التي تجاوزت القطرية وأصبحت تعمل في داخل أقطارها وخارجها، مثال ذلك أن السيسي يحالف حفتر، لكن الثورة التونسية والثورة المصرية لا تحالف الثورة الليبية لمساعدتها في مقاومة حفتر، ويوم تعمل الثورة متحدة لتقاوم الثورة المضادة يومها سيضطر الغرب الذي يساعدها إلى إعادة حساباته لأنه يخشى أن يجد نفسه حليفا للصف الخاسر فيضطر للوصول إلى حلول مرضية مع الثورة.

• إذا كان كل اجرام السيسي توظيفا للجيش والأمن والبلطجية من أجل توطيد الانقلاب على الشرعية لم يحرك الشعب فضلا عن النخب ليزيحوا الغمة، فمعنى ذلك أن الدم الفاسد ما يزال سيد الوضع المصري.

•أفيكون الشعب الليبي والسوري واليمني قد قام صفا واحدا لمقاومة إجرام بقايا النظام والطائفية أحدّ وعيا من الشعب المصري علما وأن ما يجري في مصر هو إجرام بقايا النظام والطائفية، بعضها مسيحي والبعض الآخر شيعي، بدليل الحرب على الإسلام وعلى الرموز التي تعاديهم الشيعة.

•إذا اعتبرنا غالبية الشعب مدفوعة إلى تأييد ما يجري بكراهية الاخوان، أما كان يمكن للإخوان تركهم وشأنهم حتى يجازيهم العسكر بكل نعيم العقود الستة لـحكمه السعيد؟ أما كان بوسعهم التوقف عن صبغ المقاومة بالطابع الإخواني حتى تصبح مقاومة شعاراتها مستمدة من مطالب الثورة قبل أن تتهم بالأخونة؟

• ما الذي يجعل الأخوان يواصلون نفس الخطأ في تغليب مظاهر الانتساب إلى مثاليات الفرقة بدلا من الانتساب إلى محركات الفعل الثوري الاجتماعي؟ فالمحرك الديني أحد المحركات ليس كلها، فأين المطالب الاجتماعية والحقوقية بدل الحصر في استرداد ما كان ينبغي ألا تقع فيه الحركة من البداية، حكم لون واحد يسهل على الأعداء التوحد ضده؟

•إن الثورات لا تتحقق بالصلوات والدعوات والمظاهرات إلا في الأحلام أو الأوهام. لا بد فيها من دور المحركات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحقوقية وبعض المقاومة الشرعية دفاعا عن النفس دون عدوان بالحدود الكافية، فلم يذكر التاريخ ثورة سلمية تماما، ولو صح وجودها لكان مفهوم الجهاد فاقدا لمعناه ولما احتاجت الشعوب حتى للأمن الداخلي.

•إن انتظار الرأي العام الغربي ليغير النظام العسكري الانقلابي أو توقف مساندة بعض العرب الذين يحكمون بمثل ما يحكم ويخافون مثل ما يخيفه غباء سياسي، فمن دون تنظيم المقاومة بكل أدوات المقاومة سلميها ودفاعيها عن النفس لا يمكن لأي ثورة أن تنجح.

•الثورات لا يمكن أن يقودها الشيوخ والعجزة بل الشباب، والشباب لو سمح لهم بالقيادة لما أعجزه نظام ينخره الفساد والتقاعس فضلا عن الظروف المساعدة للتوجه الثوري بسبب الظلم والفقر والعدوان السافر على الأعراض فالفسدة أكثر الناس هشاشة. وأدوات الاستبداد وبلطجيته قابلة للإستفادة منها إذ لا ولاء لها بل هي مع من يخيفها ويطمعها أكثر( ).

 

وفي إطار هذه المقولات وغيرها تبرز التوصيات والمقترحات التالية، للتفكير فيها بمزيد من الدراسة و التحليل:

1ـ كيان تجميعي لقيادة الثورة:

ضرورة التفكير بفاعلية في الإعلان عن تشكيل مجلس أو كيان تنسيقي وطني لقيادة الثورة (مع وجود رؤى متعددة وأفكار جاهزة لكيفية الإعلان والتطبيق والتشكيل).

2ـ الطمأنات والضمانات:

وضع رؤي واضحة ومحددة من شأنها:

• تقديم ضمانات لطمأنة القوي والمؤسسات القائمة في مصر حاليا

• تقديم ضمانات طمأنة للمسيحيين والأقباط، ولأهالي شبه جزيرة سيناء

• تقديم ضمانات طمأنة للمؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية والمؤسسات القضائية

• تقديم ضمانات طمأنة للقوى الإقليمية والدولية، بأن مصر لن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن أمنها واستقرارها هو جزء من أمن واستقرار الإقليم والعالم.

3ـ لجان الحكماء:

تشكيل لجان حكماء لزيارة الدول الفاعلة في الإقليم، والقوى الدولية، لنقل الصورة الحقيقية عن تطورات الأوضاع في مصر، في ظل التحولات الأخيرة وما يمكن أن يترتب عليها في حال فشل الجماعات والقوى السياسية القائمة في السيطرة على القواعد، أو السيطرة على ردود الأفعال، مع تنامي إفراط النظام العسكري في مصر في القمع والقهر، وكيف أن ذلك يمكن أن ينال ليس فقط من الأمن والاستقرار في مصر، ولكن في عموم المنطقة، كما يمكن أن يهدد المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى في المنطقة.

يؤكد ذلك وجود شواهد متعددة وتصاعد الاحتمالات، بل ووجود بعض المعلومات والتقارير التي تؤجد امتداد الجماعات المتشددة خارج شبه جزيرة سيناء، في اتجاه محافظات أخرى داخلية، وهو ما يهدد بمزيد من تفجير الأوضاع.

وفي السياق نفسه يمكن التفكير في تشكيل لجنة حكماء تقود تهدئة الأوضاع في مصر، من منطلق أن كل مبادرة تشكل ضغطاً سياسياً على النظام الحاكم في مصر، ويمكن أن تضم هذه اللجنة أسماء مثل: الأخضر الإبراهيمي، سوار الذهب، المنصف المرزوقي، مهاتير محمد، راشد الغنوشي، رابطة العالم الإسلامي، منظمة التعاون الإسلامي، وآخرين.

4ـ تفكيك الأوهام:

التي تعوق حركة القوى الثورية، وقدرتها على الإنجاز والاصطفاف الوطني، ففي مسيرة النهوض بالوعي الثوري، وتغيير القناعات العبثية لا بد من تفكيك وتبديد مجموعة من الأوهام الراسخة في عقول الكثيرين، والتي تشكل معرفتها الخطوة الأولي للتفكير الجاد والموضوعي في التغلب عليها أو التعاطي معها بما يضمن تفعيل إدارة الحراك الداخلي والخارجي من جانب القوى الثورية الرافضة للانقلاب العسكريلعل في مقدمة هذه الأوهام:

الوهم الأول: أن قادة الانقلاب يحاولون جر الجميع إلى العنف حتي يفرطوا في استخدام العنف.

التفكيك: ما هو مضمون الإفراط في العنف، هل هناك إفراط في العنف بعد قتل الآلاف حرق جثثهم في رابعة والنهضة، هل هناك إفراط في العنف بعد اعتقال أكثر من 60 ألف مواطن وإصدار أحكام بالاعدام والمؤبد في قضايا تظاهر سلمي، وتلفيق آلاف القضايا للنيل من حريات المواطنين وكرامتهم؟

الوهم الثاني: قادة الانقلاب يحاولون جر الجميع للعنف حتى يكون هناك مبرر لاستمرار دعم الغرب وتأييده.

التفكيك، الغرب هو الداعم الأول للانقلاب العسكري، ليس فقط منذ 3 يوليو 2013، ولكن منذ 11 فبراير 2011، وسيستمر في دعم هذا النظام العسكري، وأى نظام عسكري تسلطي استبدادي ليس فقط في مصر، ولكن في كل دول المنطقة، لأن وجود نظم ديمقراطية حقيقية تتمتع بشرعية شعبية، من شأنها مواجهة سياسات الهيمنة والتبعية التي تمارسها القوي الغربية، وتهدد مصالحها الاستراتيجية.

الوهم الثالث: الثورة في مصر لن تنجح قبل تكوين الظهير الشعبي للثورة.

التفكيك: الثورات تقوم بها النخب الواعية مهما كانت نسبتها، وبناء الظهير الشعبي للثورات يحتاج لعدة سنوات لأنه يتطلب ابتداء ترسيخ منظومة قيمية وفكرية وحضارية جديدة، وما حدث في 25 يناير كان حشد شعبياً تلقائياً رفضا لسياسات الفساد والاستبداد، وليس ظهيرا شعبياً حقيقيا مؤمناً بقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومؤمناً حقيقياً بقيم الثورة ومبادئها ومنطلقاتها.

الوهم الرابع: هناك تحولات إقليمية من شأنها تحجيم الانقلاب واسقاطه.

التفكيك: القوى الفاعلة في الإقليم هي من دعمت ومولت الانقلاب العسكري، قبل 3 يوليو وبعدها، وما زالت تدعمه وستستمر في دعمه، لأنه من الأيسر لها التعامل مع نظم تسلطية استبدادية فاسدة، تعمل كمرتزقة، من وجود نظم ديمقراطية تتمتع بشرعية شعبية يمكن أن تهدد بقاء وشرعية منظومة الفساد والاستبداد في دول الإقليم.

يدعم ذلك أن كل ما أشيع عن جهود وأفكار وتحركات إقليمية بغرض الوصول لحل أو التوسط لم تسفر عمليا عن أي شئ ، ومهما كانت الانطباعات او التوقعات او حديث الصحف الا أنه عمليا لم يتمخض عنها شيئا ولا يبدو أن هناك شيئا في الافق تجاه هذا الأمر. كما أن هناك ملفات إقليمية لها الأولوية في اهتمامات السعودية، كالوضع في اليمن وسوريا والعراق والبحرين.

الوهم الخامس: الرهان على حدوث انشقاق في الجيش وانقلاب على انقلاب والقبول به كمرحلة انتقالية للثورة المصرية.

التفكيك: الجيش مؤسسة مصلحية شديدة الترابط، تتعامل مع الثورة من منطلق أنها صراع وجود، لا بقاء للجيش مهيمناً على مقدرات الدولة وثرواتها ومواردها إلا بالقضاء على الثورة، وبقاء الشعب عبيد إحسان العسكر والداخلية، وأى انشقاق أو انقلاب على انقلاب، سيكون تدوير للفساد والاستبداد وترسيخ للقمع والقهر والهيمنة.

الوهم السادس: لن تنجح الثورة قبل تحقيق الاصطفاف الوطني.

التفكيك: لن يتحقق الاصطفاف الوطني، لغياب الثقة بين الجميع، لغياب الشفافية بين الجميع، لأن الاصطفاف الحقيقي يتطلب تغييراً في القناعات، تغييراً في الصور الذهنية المترسخة من البعض ضد البعض، يؤكد ذلك أن هناك صعوبة في الاتفاق على وثيقة واحدة حتى لو كانت مصاغة بعناية وليس عليها اعتراضات جوهرية، وإذا كانت هناك خلافات بين هذه القوى، لكن تبرز المشكلة الاكبر في مناخ القمع الشديد وحالة الخوف لدى الكثيرين من الممارسات القمعية الشديدة، كما أنه رغم وجود موافقات وتوافقات فإن هناك صعوبة أن تترجم هذه الموافقات إلى توقيع واعلان، بسبب اعتبارات خاصة بكل تيار.

الوهم السابع: عدم الاصطفاف سببه الوحيد عدم الثقة بين القوى الثورية والإخوان المسلمين، وهو ما يتطلب وقتا لتجاوزه.

التكفيك: أن عامل الثقة ليس العامل الوحيد، ولكن هناك العديد من العوامل والاعتبارات التي يجب مراعاتها، والعمل على إدارتها بفاعلية، منها:

• وجود اختراق فعلي لعدد كبير من هذه القوي، بما يحول دون وضوح الرؤية فيما يتعلق بالاصطفاف، بل العمل في بعض الأحيان ضد هذا الاصطفاف.

• المصالح الضيقة لبعض القوى والتيارات على حساب المصالح الوطنية الجامعة

• حب الظهور والرغبة فى بناء الزعامات الشخصية على حساب القضية الوطنية.

الوهم الثامن: ما يحدث في مصر صراع سياسي بين العسكر والإخوان، وليس للقوى السياسية موقع فيه.

إن الأمر يتطلب الخروج من ثنائية العسكر والإخوان، لأن ترسيخ هذه الثنائية، سيترتب عليه العديد من النتائج، منها:

• أنه لا قيمة لكل التيارات والقوى الأخري في المعادلة، وهو ما يعني محاولة تهميش دورها.

• أنه لا قيمة لأى حديث عن اصطفاف وطني، طالما أن الصراع ثنائي.

5ـ تجنب الاستراتيجية الصهيونية في التسويات السياسية التي تقوم على تقزيم الأمور وتفريعها والدخول في متاهات التفاصيل وبالتالي البعد عن الهدف الرئيسي، وهو ما يمارسه النظام العسكري مع كل القوى السياسية، من خلال استراتيجية الإلهاء التي يتبناها مع الجميع مستخدماً في ذلك أدواته الإعلامية والقضائية.

6ـ التفكير في توجيه دعوة دولية لمؤتمر للحوار الوطني الجامع، للبحث في مخرج سياسي، يكون الهدف منها الدعوة لانتخابات مبكرة، ووضع آليات إدارة الدولة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، ويمكن التعاطي مع هذا المقترح من باب أنه يمكن أن يوفر ضمانات دولية للحوار ابتداء، وثانياً يوفر ضمانات للدول الراعية أنه لن يكون هناك هيمنة أو تسلط أو انتقام من جانب طرف ضد باقي الأطراف، ويوفر ثالثاً مخرجاً آمناً لقادة النظام القائم الذين قد يدفعهم يقينهم من انتقام القوى الثورية إلى الاستمرار في جرائمهم، ويوفر رابعاً رسالة للقوى الإقليمية والدولية أن القوى الثورية حريصة على الحلول السلمية والتوافقية، وفي النهاية يبقي هذا المقترح، مجرد مقترح قابل للنقاش والتطوير أو الالغاء والتجاهل

7ـ تنويع الحراك الخارجي بالمظاهرات والاعتصامات أمام مقرات المنظمات الدولية والإقليمية، وأمام السفارات المصرية في الخارج، وتعبئة الجهود والاستفادة من كل الخبرات المصرية الرافضة للانقلاب في هذه الدول، وخاصة من شباب الجامعات، و العمل على تشكيل قوى مجتمعية ضاغطة على حكوماتها لحلحلة مواقفها بعض الشئ فيما يتعلق بدعم النظام الحالي و إطالة حياته..

8ـ التوسع فى إطلاق الحملات الوطنية لحماية مصر تحت شعارات جامعة، مثل: الثورة لها عنوان، مصر تستحق الأفضل، إنقذوا مصر….

9ـ التأكيد على أن كل ما تشهده مصر هو أمور متوقعة، ولا يجب أن يكون مصدر انزعاج من جانب من يديرون المشهد من القوى الثورية، ويجعلهم يتحركون في دائرة ردود الأفعال، وهو ما يتطلب المبادرة بالفعل، وهذا لن يتحقق إلا بوضوح الأهداف وترتيبها وأولوياتها.

10ـ الدعوة لتشكيل محكمة جنائية دولية للتحقيق في اغتيال النائب العام هشام بركات، كوسيلة من وسائل تشديد الضغوط السياسية والدبلوماسية والحقوقية ضد النظام، وتعريته فيما يتعلق بمصداقيته في كشف الحقائق حول الاغتيال، وفي السياق نفسه الدعوة لتشكيل محكمة جنائية دولية للتحقيق في التصفيات الجسدية خارج إطار القانون.

11. العمل على رأب الصدع الداخلي في جماعة الإخوان لما لذلك من أثر في تنظيم الحراك الثوري و فعاليته.

12. العمل على ابتكار أساليب جديدة للكفاح المدني السلمي و تطوير الحراك و الاستفادة من خبرات الدول الأخرى في التخلص من الأنظمة القمعية العسكرية، خاصة في أمريكا اللاتينية.

———————————————————

المراجع

( 1) خليل العناني، التسوية في مصر بين المسارين السياسي والثوري، العربي الجديد، 23 يونيو 2015، الرابط
( 2) ها هيلير، مصر تبحث عن حلول بعد هجوم سيناء، معهد الخدمات المتحدة الملكية – لندن، 3/7/2015، الرابط
( 3) في تعليقه على هذه الدعوات كتب الاعلامى أيمن عزام، مقدم البرامج في قناة الجزيرة الفضائية، على صفحته على الفيس بوك: إن خطر حل الجماعة لا يقل أبدا بأى حال عن خطر تسريح الجيوش والاجهزة الامنية، حيث تتشكل الميليشيات المسلحة ويصبح الوطن مسرحاً تلعب به الأجهزة المخابراتية والأمنية الإقليمية والدولية، لتنتج مشاهد دماء لا تنتهى، وتفجر بركان قتال لا يهدأ، بل إن قرار حل الجماعة سيكون الأخطر على الاطلاق على مستقبل أمن واستقرار مصر، فهناك عشرات الالاف من الشباب الذين تجرى دماء الثأر فى عروقهم، بعد قتل الآلاف من رفقاء طريقهم وإخوان فكرتهم وأصحاب دعوتهم، هؤلاء لا يلجم غضبهم ولا يهدئ من روعهم ولا يخمد نار غضبهم، إلا صدى صوت الحكمة الذى ينادى فى أركان جماعتهم من خلف القضبان على لسان مرشدهم وقادتهم الذين ما زالوا يرفعون شعار (سلميتنا اقوى من الرصاص).
وأضاف: نعم يثور الشباب على قادتهم رافضين مفهوم السلمية، لكنهم فى نهاية الامر لم يخالفوا أدبيات الجماعة حتى الآن، إلا فيما يعتبرونه (السلمية المبدعة)، لكنهم ما زالوا يتفقون مع قادتهم على أن الدماء حرام عليهم، وأن فكر الاخوان مبنى على عدم انتهاج العنف وتحريم تسليح الثورة او الدعوة او الفكرة.
وتساءل عزام: لك أن تتخيل لو لم يكن هؤلاء ملتزمون بالسلمية أو أنهم أصدروا تعليمات لابناء جماعتهم الذين يتجاوز عددهم عشرات الالاف، لك أن تتخيل لو أن قادة هذه الجماعة أصدروا أوامرهم لمن يطلقون عليهم (خرفان المرشد) بالجهاد المسلح ضد سلطة الانقلاب؟. لكن هذا لم يحدث ولن يحدث، لسبب بسيط يتجاهله المدلسون الكارهون، هو أن عصب فكرة هذه الجماعة هو الانتشار عبر التأثير المجتمعى فى المدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات والبرلمان. عصب فكرتهم هو بناء قاعدة شعبية تدرك قيمة التغيير بقيم الاسلام عبر الفرد والأسرة والمجتمع. وهذا سر اختلافهم مع بقية الفصائل والجماعات الجهادية المسلحة التى تعتبر جماعة الاخوان (كافرة مرتدة) وتضعها فى مصاف الاعداء للاسلام.
وانتهي عزام إلى أن قرار حل الجماعة أخطر من هذا كله، حيث ساعتها ستتفجر براكين الغضب فى قلوب الشباب الثائر الناقم، ليتحول الى فكر جهادى مسلح، ساعتها فقط سيدرك الجميع أن الفضل بعد الله فى عدم استنساخ العشرية الجزائرية السوداء أو المشهد السورى المفجع أو العراقى المؤلم، كان لقيادة الجماعة الراشدة الحكيمة التى راعت مستقبل الوطن، وتسامت فوق الجراح والآلام”.
( 4) عبد الرحمن يوسف، الإخوان المسلمون في عامين: نظام ينتقم وجماعة تواجه، موقع المدن، الجمعة، 3/7/2015. الرابط
( 5) خليل العناني، التسوية في مصر بين المسارين السياسي والثوري، العربي الجديد، 23 يونيو 2015، الرابط
( 6) د. أبو يعرب المرزوقي، مآل الثورة المصرية: حق الشعب في مقاومة ارهاب الحكم المغتصب”، الصفحة الرسمية على شبكة الإنترنت، 11/4/2015، الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close