fbpx
سياسةقلم وميدان

المعارضة السياسية بعد الانقلاب: 7 سنوات من التحولات

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

تُعد المعارضة السياسية جزءاً مهماً في الممارسات السياسية، فهناك قاعدة عامة في النظم الديمقراطية تقول بأنه لا ديمقراطية حقيقية بدون معارضة سياسية فعلية ولا ديمقراطية حقيقية بدون تعددية حزبية، ولكن في مصر فالوضع مختلف تماماً عما عرفته قواميس الفكر السياسي الديمقراطي والدول الديمقراطية.

تأثرت المعارضة السياسية بشكل واضح في مصر بعد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، فالمشكلة الرئيسية التي تعانيها الحالة المصرية هي أزمة الشرعية السياسية بعد الانقلاب العسكري عام 2013، الأمر الذي كان له تداعياته على المجتمع ككل وعلى المعارضة السياسية بشكل خاص.   

تعريف المعارضة السياسية

يعني مصطلح المعارضة السياسية في الاستعمال الأكثر عمومية أن أية جماعة أو مجموعة أفراد يختلفون مع الحكومة على أساس ثابت وطويل الأمد عادة، ولو أن المصطلح يمكن أن يصف المعارضة المتعلقة بالقضايا في إطار تشريع واحد أو اقتراح سياسة.

ويطبق المصطلح على نحو أكثر تحديداً على الأحزاب في المجلس النيابي التي تختلف مع الحكومة وترغب في الحلول محلها.

غالباً ما تمارس المعارضة في الإطار الشرعي وضمن المؤسسات الثابتة، وتضم المعارضة الأشخاص والجماعات والأحزاب، التي تكون مناوئة، كلياً أو جزئياً، لسياسة الحكومة (1).

تختلف درجة المعارضة من بلد إلى آخر ومن نظام سياسي إلى آخر، ففي الأنظمة السلطوية تكون المعارضة مقموعة أو غير مرحب بها في بعض البلدان وخاصة في العالم الثالث، فقد تتحول المعارضة السياسية إلى معارضة مسلحة وهذا ما يسمى تمرد مسلح، أو قد تتدهور الأمور لتصل إلى ما يسمى الحرب الأهلية، ويمكن تعريف هذا السلوك بأنه (مجموعة من أنماط السلوك الاجتماعي الموجَّه إلى أشكال السلطة المختلفة ومظاهر النفوذ، للخروج عليها وإعادة بنيتها وسمات مظاهرها بالشكل الذي يخدم الفاعلين، ويحقِّق أهدافهم ويعيد إليهم قدراً من السلطة والنفوذ )، وهذا يختلف تماماً عن المعارضة في شرعيتها السياسية والاجتماعية والدستورية.

تعريف المعارض السياسي

هو شخص ينتمي لحزب سياسي أو تيار سياسي أو حتى صاحب رأي مستقل لا ينتمي لتيار ما، ويدعى معارض لأنه يعارض على أسلوب أحزاب سياسية أخرى وعلى طريقة استخدامها للسلطة وينتهي دوره كمعارض عندما يمتلك حزبه زمام السلطة فيُدعى حينها بالموالي أو السلطوي، ويكتفي المعارض بتوجيه المقالات والاعتراضات للأحزاب الأخرى حيث تمثل هذه المرحلة مرحلة من النضج الديموقراطي للمجتمعات (2).

أهمية المعارضة السياسية

تكمن أهمية تواجد المعارضة السياسية على أنها مظهر من مظاهر التعددية السياسية من جهة، ورقيب على ممارسة السلطة لصلاحياتها الدستورية والقانونية من جهة أخرى، فهذا هو الأصل في تواجدها.

يرتبط مستوى النمو والتقدم في دول العالم المتحضر بمستوى تطبيقها للديمقراطية ومساحات الحرية للرأي والانتقاد والتصويب، لذا فإن مصطلح المعارضة أو نشاط دور المعارضة في تلك الدول لا تثير المخاوف من احتمالية نشوب الصراعات السياسية أو الاقتتال للوصول الى قمة السلطة، أو محاولة النظام الحاكم بتلجيمها أو التخلص منها بشكل نهائي، وهذا يحدث في مصر والعديد من البلدان العربية، إن لم تكن جميعها.

المعارضة السياسية في مصر

عبر تاريخ مصر الحديث الذي بدأ قبل نحو 200 عام لم تعرف مصر في تاريخها السياسي معارضة بالمعنى المعروف، وبعد قيام ما يسمى بثورة يوليو 1952 بعامين، ألغيت الأحزاب والنقابات وكل ما يُشكل تجمعاً سياسياً، تمهيداً لتدشين مرحلة الحزب الواحد التي عرفها العالم النامي طيلة الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت.

واستغل النظام السياسي المصري إبان الستينيات والسبعينيات، توريط المعارضة في فكرة عدم الولاء الوطني والعمالة للخارج.

وبعد ثورة 25 يناير 2011، تشكّلت عشرات الأحزاب، وبرزت عدة أحزاب تمثّل الكتلة الحزبية الكبرى من حيث التنظيم وأعداد العضوية، وتنوّعت الاتجاهات السياسية لتلك الكتلة الكبرى بين الأحزاب السياسية الإسلامية الأكبر حجما وأحزاب ليبرالية ويسارية وقومية، وفي ظل الاستقطاب السياسي السابق على انقلاب تموز/ يوليو 2013، كان هناك تكتلان رئيسيّان يضمان مجموعة من الأحزاب، أحدهما إسلامي بزعامة حزبي جماعة الإخوان والسلفيين، والآخر علماني تحت مسمى “جبهة الإنقاذ”، لكن تدخّل الجيش استهدف الإسلاميين بعنف وقام بتنحيتهم سياسيا واجتماعياً عن الشارع، وتم تشكيل حكومة من أحزاب شاركت في جهة الإنقاذ المصرية، لكن بعد مرور ست سنوات تقريباً من تحرك الجيش نجد أن هذه الأحزاب اختفت أيضاً من المشهد السياسي(3).

وفى هذا التقرير لابد من الوقوف على أبرز ثلاثة مباحث للمعارضة السياسية في مصر، وهم كالتالي:

أولاً: المعارضة المصرية في الداخل

بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 اعتمد نظام السيسي على سياسة تقليم الأظافر لكل الأصوات المعارضة، فبات الحبس والاعتقال والتنكيل لكل من يغرد خارج السرب، حتى إن كان من حلفاء الأمس، ومن هنا نستطيع أن نقول بأن المعارضة المسموح لها بالعمل بعد الانقلاب دخلت إلى جحورها مرة أخرى.

تقوم قوى المعارضة المدنية بين الحين والآخر، ببعض المناوشات وتكوبن والتحالفات، فالبداية كانت بتحالف التيار الديمقراطي ثم الحركة المدينة الديمقراطية وفريق خالد علي، بالإضافة إلى وجود تقاطع بين المحسوبين على المعسكر اليساري والناصري والمطالبين بالعمل مع حزب مصر القوية الذي يرأسه عبد المنعم أبو الفتوح المعتقل حاليّاً.

وفى نهاية 2019، دعت “الحركة المدنية الديمقراطية”، إلى حوار شامل لبحث الأزمة في البلاد، مطالبة السلطات بالإفراج عن الموقوفين خلال مظاهرات 20 سبتمبر والتي دعا إليها رجل الأعمال والفنان المصرى محمد على، والتي كانت تطالب برحيل السيسي.

وتتعرض المعارضة بالداخل بشكل مستمر، لبلاغات تطارد قياداتها، ودعوات تطالب بحظر أحزاب، ومشروعات قوانين تسعى لحل أخرى غير الممثلة في البرلمان، وبين حل الأحزاب أو اعتقال قيادتها، تبدو أحزاب المعارضة في صراع طويل مع السلطة ولكنه غير مؤثر، ونجد معارضة الداخل قد اكتفت بمجموعة من البيانات الحماسية كلما كان هناك ما يستدعي إنتاجها.

من أبرز الأمثلة القليلة على تعاون المعارضة بالداخل ضد السيسي حملة “مصر مش للبيع” التي تعارض نقل تبعيّة جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية، حيث كانت الاحتجاجات التي عمّت البلاد في 15 نيسان/أبريل 2016 الأضخم منذ تولى السيسي ولايته الرئاسية الأولى، وشكّلت “التحدّي العلني الأكبر” للسيسي، وتوحّد حزب الدستور والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب التحالف الشعبي الاشتراكي وحزب العيش والحرية في معارضة نقل السيادة على الجزيرتَين، وفي إدانة همجية الشرطة والاعتقالات. بيد أن معظم الأحزاب امتنعت عن معارضة السيسي بشكل مباشر حتى خلال حملة الانتقادات العلنية المكثّفة، ما تسبّب بالحد من آفاق التعاون في ما بينها وبالتالي عدم تمكّنها من الحصول على تنازلات من النظام (4).

ولم تشفع مباركة انقلاب يوليو 2013 لداعميه، فتم اعتقال رموز سياسية وشبابية شاركت في حراك 30 يونيو الذي أدى إلى الإطاحة بنظام الرئيس الراحل محمد مرسي، كأحمد دومة وحازم عبد العظيم، وتم اعتقال عسكريين سابقين أبرزهم الفريق سامي عنان، رئيس أركان الجيش لسبع سنوات، وعسكريين في الخدمة كالعقيد أحمد قنصوه، بسبب إعلانهما نيتهما الترشح للرئاسة.

ثانياً: المعارضة المصرية في الخارج

تشهد المعارضة المصرية في الخارج حالة ضعف عام جعلها في حالة تشتت وانقسام وإجهاد يتزايد مع مرور الوقت؛ والمقصود من المعارضة المصرية في الخارج هم كل الرافضين لنظام عبد الفتاح السيسي، وكل من يرى أنه جاء عبر انقلاب عسكري مكتمل الأركان، وكل من يعارض السياسات القمعية للسيسي خلال فترة حكمه.

بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، قام النظام الحاكم بالتضييق الكامل على المعارضين للانقلاب، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، الفصيل السياسي الأكبر في مصر، ووضْع النشطاء من صفوف القواعد الشعبية في السجون أو تسليط سيف الاعتقال على رقابهم، وتزايدت الرقابة الإعلامية، وتم قمع الصحافيين والنشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان.

ثالثاً: دور المعارضة السياسية في مصر

لابد للمعارضة السياسية في الداخل المصرى، أن يكون لها تأثير، ولابد أن يكون لها برنامج واضح يهدف بالأساس إلى الوصول للسلطة، وأن تمتلك الأدوات التي تمكنها من تحقيق هذا الهدف، ما يعني أنها من المفترض أن تكون في نزاع دائم وصراع متواصل على السلطة مع النظام ومن على رأسه من أجل الوصول بالبلد إلى أفضل حالاته.

النظام المصري ليس لديه أي فكر سياسي للتفاوض مع المعارضة بالداخل أو بالخارج على السواء، فهو يمارس المنهج الأمني الغشيم ويوجه ضربات أمنية موجعة لكل قوى المعارضة على اختلاف أطيافها، لأنه يرفض تماما أي معارض له بأي شكل، لذا على المعارضة وخاصة الداخل أن تتوقف عن دور المعارضة المستأنسة لأن هذا ما خُطط لها من قبل النظام الحاكم الآن.

  على المعارضة السياسية في الخارج العمل ضمن القوانين السائدة للمجتمع المصرى، والتأكيد المستمر على الموالاة التامة للوطن، والتوقف التام عن أي نقد بذيء أو به أي شكل من أشكال الإساءة للشعب المصري.

التوقف عن إثارة الخلافات الدينية أو القومية والأخطاء السياسية، لأن هذه هي الفرصة الذهبية للنظام لاتهام معارضي الخارج بأنهم يعملون ضد مصالح الوطن، أو يروجون لاستعمال العنف أو العمالة، وهذه الممارسات بالفعل يمارسها النظام الحالي بشكل واضح منذ سنوات لتشويه معارضة الخارج.

رغم تعدد المحاولات والمبادرات والخطابات والكتابات للمعارضة إلى أنها تفتقر إلى مشروع جامع ومظلة وطنية حتى الآن، فمازال أمام المعارضة الكثير من التحديات كنبذ الخلافات ونشر الوعي وتوحيد الصفوف في ظل الصعوبات والأزمات، ولكن تكمن المشكلة الرئيسية في نقطة الانطلاق السليم الذي من المفترض أن يبنى عليه مشروع وطني حقيقي لإنقاذ الوطن.

على المعارضة أن تنتبه من مساعي نظام السيسي لخلق كيان معارض برعاية الأجهزة الأمنية، وذلك في إطار محاولاته لضمان السيطرة التامة على الأوضاع السياسية في مصر، من خلال الدفع باتجاه انضمامهم لكيان معارض مصطنع يكون تحت سيطرة النظام وأجهزته الأمنية، وهذا معناه خراب الحياة السياسية بشكل كامل، والقضاء على كل أشكال المعارضة بالداخل.

الهامش

(1) موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثالثة، 1990، الجزء السادس ص 231 الرابط

(2) Political Opposition in the Contemporary World الرابط

(3) المعارضة المصرية تحاول جاهدةً تجاوز الانقسامات الرابط

(4) مصر: المعارضة الموالية الرابط

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close