fbpx
دراسات

الهجوم على البيئة والأزمة الإنسانية: كورونا نموذجاً

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة:

لا شك أن نمط الحياة الحديثة يختلف كثيرا عن ما سبقه، إذ تتميز بانتشار ثقافة الاستهلاك، التي تساهم في انكباب الإنسان على البيئة واستنزاف ثرواتها لإشباع نهمه ورغباته؛ وقد زادت الروابط بين الأنشطة البشرية وأنواع التأثيرات المختلفة التي تحدثها هذه الأنشطة على البيئة، وما تتركه من الأزمات البيئية الرئيسية التي تؤثر على الأرض والسكان، مما يتطلب من المجتمع والدولة ضرورة التدخل بسرعة من أجل اعتماد أنماط حياة جديدة تحترم سير العمليات البيئية وسلامة الطبيعة.

ولذلك، فإن الأنشطة البشرية هي سبب المشاكل البيئية التي يعاني منها الكوكب والبشر. ويشكل النمو الديموغرافي، والابتكار التكنولوجي، ونقاط الضعف في الحكم والسلوك الاجتماعي أهم الأسباب التي تجعل الإنسان يعتدي على البيئة. وتتوزع الأنشطة البشرية التي تنتهك البيئة إلى العديد من الأنشطة يمكن إجمالها في الآتي:

استخراج الموارد، وتصنيع السلع، ونقل البضائع والأشخاص، والزراعة والثروة الحيوانية، والتحضر وإنتاج الطاقة واستهلاكها.

والتلوث لا يقتصر فقط على ما يسمى التلوث “الكيميائي” الذي ينتج عن عوادم السيارات والمصانع والنفايات والغازات السامة …وغيرها، بل أصبح يشمل تلوث البيئة الناتج عن الأنشطة البشرية التي تزعم أنها بريئة كالصيد والتعمير…، والذي يضر بالأنواع الحية أو البشر أو سير العمليات الأرضية.

إن حجم الأنشطة البشرية آخذ في الازدياد ولن يتوقف بسبب ظهور الجوائح والأوبئة؛ فبمجرد التغلب عليها يعود الإنسان لهجومه على البيئة واستنزاف مواردها وثرواتها بشكل بشع، وهو ما سيزيد من أثار التدمير ويرفع من نسبة الأزمات الإنسانية. كما أن الأزمات البيئية تزداد سوءا وتنعكس عواقبها الوخيمة على البشر، خصوصا مجتمعات الجنوب، الأكثر فقرا، والتي تعتمد بشكل أساسي على الطبيعة، وهو ما يجعلها الأكثر ضعفا وتأثرا بالأزمات البيئية حين حدوثها، لكن ذلك لا يعفي مجتمعات الشمال، ولا يجعلها بأي حال من الأحوال محصنة من الآثار الضارة لنمط حياتها. لذلك يجب أن تبدأ التغييرات المجتمعية واسعة النطاق في أقرب وقت ممكن قبل أن يفلت الموقف تماماً.

مشكلة البحث:

كيف يؤدي الاعتداء على البيئة والهجوم على مكوناتها وعناصرها إلى الأزمة الإنسانية؟ وهل تمثل جائحة كورونا نموذجا لهذه الأزمة؟

المحور الأول: التهديد البشري للبيئة

تعبر البيئة عن مجموعة العوامل والظروف والمؤثرات الخارجية التي لها تأثير في حياة الكائنات (بما فيها الإنسان)، ولذلك فإن تعريف البيئة ينطلق دائما بما يربطها بالكائنات؛ إذ أنها الوسط أو المكان الذي يعيش فيه الكائن الحي أو غيره من المخلوقات، وهي تشكل في معناها العام مجموعة الظروف والعوامل التي تساعد الكائن الحي على بقائه ودوام حياته. والبيئة لفظ شائع الاستخدام يرتبط مفهومها بنوع العلاقة بينها وبين المستفيد منها من الكائنات الحية، فرحم الأم بيئة، كما أن البيت بيئة، واليابسة والأنهار والبحار بيئة، والأزهار والأشجار بيئة وكل ما يحيط بالكائن الحي ويستمد منه ضرورات حياة بيئة[1].

إن انتشار الفيروسات والأوبئة يعود في كثير من الأحيان إلى تهديد الإنسان للبيئة من خلال الهجوم الشرس على مكوناتها ومقوماتها وضرب واستنزاف كثير من عناصرها؛ فأغلبية الأمراض الناتجة عن التغيرات المناخية، تعود إلى النشاط الاقتصادي البشري غير المتزن. فقد ذكر الباحثون أن التغيرات المناخية تؤدي إلى سلسلة من الأحداث التي تتسبب في نهاية الأمر في ظهور مرض جديد، والمثال على ذلك ظهور فيروس ” نيباه ” في ماليزيا وسنغافورة عام 1999. وأدت الظاهرة المناخية المعروفة باسم “النينو ” إلى تزايد معدل احتراق الغابات، مما اضطر خفافيش الفاكهة إلى ترك موطنها في تلك الغابات واللجوء إلى المزارع، حيث نقلت الفيروس للخنازير وللبشر، وهناك كذلك مرض سارس الذي أكد الدور السلبي للانتقال بالطائرات في انتشار جغرافي هائل للأمراض المعدية[2]، وأخيرا مرض كورونا أو كوفيد 19 الذي يعتقد كثير من العلماء أنه يعود إلى الخفافيش، مع العلم أن هذه الخفافيش تعيش في كهوف بعيدة عن الإنسان، لكنه، وبفعل غطرسته غير المحدودة، انتقل إلى كهوفها وجلبها إليه كي ينتفع بأكلها من خلال بيعها في الأسواق.

لقد عمل الإنسان منذ أن وطأت قدماه الأرض، على استغلال الموارد الطبيعية التي خلقه الله له من أجل ضمان بقائه حيا وسعيا لبناء حضارة للعيش والاستمرار في الحياة، إلا أن وتيرة هذا الاستغلال ازدادت بصورة جد قوية، لتبلغ ذروتها في القرن العشرين، الأمر الذي انقلب إلى فساد كبير وانعكس التقدم الصناعي الهائل الذي شهده العالم على البيئة وعناصرها، إذ زادت نسبة التلوث والتدهور البيئي وأصبحت البيئة غير قادرة على تجديد عناصرها الطبيعية واختل توازن مكوناتها وعناصرها، وبات مستقبل الحياة على الأرض مهددا بأخطار جسيمة نتيجة لتصرفات الإنسان واعتداءاته المتزايدة على البيئة[3]، دون أن يعي خطورة هذه الاعتداءات إلا مؤخرا.

ولذلك، فالإنسان هو المتهم الأول في تدمير البيئة، التي هي جزء لا يتجزأ من حياته ومصيره وكل أذى يصيبها يصيبه، لكن الإنسان لا يكترث بذلك، وإنما يستمر في تدميره للبيئة ويسير في منحى تصاعدي، حيث كلما زاد معدل السكان زادت حدة الاعتداء والتدمير، لأن الحل الأسهل أمام الإنسان هو الهجوم على البيئات المحيطة به دون التفكير في حلول بديلة، تقيه شر تدمير البيئة وانعكاسها عليه. ومن أخطر الأشياء التي يفعلها الإنسان هو تحطيم بيئات الغابات الاستوائية، والتي تعتبر من أهم البيئات للحفاظ على تطور الحياة وتجددها وهي مأوى لأنواع لا حصر لها من النبات والحيوان والطير .. ورغم هذا فهي من أكثر الأماكن تهديدا لأنها تحوي ملايين الفيروسات والأمراض وتمنع انتشارها بين البشر، لكن الإنسان يجور عليها، ويقلل من مساحتها الشاسعة، وينهب ثرواتها دون هوادة[4].

وفي هذا الصدد، يؤكد الباحثون والخبراء، على أن الأمراض المعدية ما هي إلا انعكاس عن الاختلال الحاصل في التوازن البيئي، فالتغيرات في طبيعة سطح الأرض الناتجة عن النشاط البشري تؤدي إلى تغير في طبيعة انتشار بعض الأمراض المعدية، أو ظهور أمراض أخرى وبائية، مما يعرض حياة الإنسان والحيوان للخطر، حيث أن النشاطات الاقتصادية أو التنموية التي تقوم بها الدول، مثل شق الطرق، وبناء السدود، وتجفيف البرك، وتقسيم الغابات، أو تحجيمها بغرض توسيع المدن وزيادة رقعة الحضر، تتيح الفرصة لعشرات من الأمراض المعدية كي تنتشر وتتحول إلى أوبئة والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها الملاريا والإيدز ومرض لايم ومرض جنون البقر والحمى الصفراء والكوليرا والأنفلونزا ومرض سارس وغيرها من الأمراض المعدية التي لم تكتشف إلى حد اليوم[5]، وما جائحة كورونا عنا ببعيد.

الاعتداء على الغابات:

يشكل الاعتداء على الغابات خطرا داهما يقوض محاولات الحفاظ على البيئة في وضع متزن، إذ تتناقص الغابات في العالم سنويا بمعدلات كبيرة تصل سنويا إلى حد اندثار غابات بمساحة تعادل مساحة دولة متوسطة الحجم، كإنجلترا مثلا. وفي إفريقيا، على سبيل المثال، تقدر استخدامات أخشاب الغابات لغايات التدفئة والطير والبناء إلى نحو نصف ما يقطع من أشجار[6].

إن الإنسان هو الذي ساهم إلى حد بعيد في القضاء على الغابات، وإلى ظهور ما يسمى بظاهرة التصحر، كما قام بتلويث الهواء وذلك بإطلاقه ملوثات تتضمن أبخرة لمواد كيماوية وهناك تلوث التربة والمياه السطحية والجوفية، وكل ذلك بفعل الإنسان ونشاطاته. فالاعتداء على الطبيعة ومحتوياتها يؤدي مرور الزمن إلى تدهور البيئة، وإلى أن تصبح كثير من النشاطات التي صممت أصلا لتأت بالتقدم والتنمية سببا في التدمير والتخلف، ولعل أول خطوة حول إمكانات الحل يمكن القيام بها لوقف هذه الاعتداءات وحل مشكلة التدهور في البيئة هو إتباع أسلوب التنمية المستدامة، والتي تهدف إلى الامتناع عن الاعتداء على البينة الطبيعية ومكوناتها، والتوازن والاعتدال في استغلال مواردها المتجددة وغير المتجددة مع اتخاذ خطوات إيجابية لإعادة التوازن البيئي للأرض[7].

ولا شك أن إزالة الغابات الاستوائية تعد هي كذلك واحدة من أخطر المشاكل البيئية التي تواجه العالم اليوم، حيث لازال هناك استمرار تدمير الغابات المطيرة الاستوائية. ويتم تطهير أربعة أخماس مساحة الغابات للزراعة، على الرغم من أن الغابات الاستوائية تغطي حوالي 6 في المائة فقط من سطح الأرض في العالم، إلا أنها جزء أساسي من نظام التوازن البيئي. فهي تساعد على تنظيم المناخ وحماية التربة من التعرية وتوفير موائل لملايين أنواع النباتات والحيوانات يصل إلى تسعة أعشار جميع أنواع الحياة البرية حتى يعيش أغلبها في الغابات الاستوائية[8].

الاعتداء على الحياة الفطرية:

منذ أواخر القرن التاسع عشر تزايد اهتمام الناس بتدهور الحياة الفطرية في العالم وقد نتج هذا الاهتمام جزئيا بسبب تزايد إدراك الناس للعلاقات المتداخلة بين الأنواع – أو ما يعرف بشبكة الحياة. فكثير من الناس الآن يعرفون أن اختفاء الأعداد الكبيرة من الأنواع، يهدد حياة الكائنات الحية الأخرى، بما في ذلك البشر. وبدأت بعض الدول بتشييد المناطق المحمية والمتنزهات الوطنية، ومناطق حفظ الطرائد، والملاجئ الفطرية، التي تحمي فيها مواطن الحيوانات من التغول، ويحظر فيها الصيد. ويعتقد الكثيرون من المهتمين بصيانة الحياة الفطرية أن هذه المناطق تمثل الأمل الأخير لحماية بعض الأنواع المهددة بالانقراض[9]، لكن ذلك وحده لا يكفي في ظل تعنت الإنسان، ومحاولاته الدائمة للانقضاض على مكونات البيئة وإتلافها أو استخدامها لصالحه مع العلم أن هذا الاستخدام يمكن أن يكون بطرق أخرى توفر الاستدامة والأمان للبيئة بكل مكوناتها.

فانقراض بعض الكائنات اليوم يتم بمعدل أكبر 40 مرة من معدل الانقراض الطبيعي المتعارف عليه سابقا، حيث كان الانقراض في الماضي يتم خلال مئات الآلاف أو الملايين من السنين .. أما الانقراض اليوم فيكفيك أن تعلم أننا فقدنا مئات الآلاف من الأنواع خلال الأعوام الخمسين الماضية فقط ولو استمر هذا المعدل الإفنائي؛ لفقدنا النصف من كل أنواع الكائنات الحية في خلال القرن القادم، هذا إذا أخذنا في اعتبارنا أن 98% من كل الأنواع التي عاشت على الأرض قد انقرضت بالفعل حسب إحصائيات عام 1999.

لقد أدى التطور الهائل الذي حدث في الأجهزة الحديثة منذ الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي إلى نكبة على الثروة السمكية من خلال دخول الأجهزة الحديثة لمجال الصيد واستخدامها بكثافة كالرادار والسونار مدعومة بالأقمار الصناعية وما تتيحه من معلومات في عالم الصيد، كما تم استخدام حبال الصيد ذات أحجام وأطوال كبيرة، وبهذه الإمكانيات استطاع الصيادون اصطياد من 40-80% من مختلف أنواع الأسماك في المحيطات والبحار خلال عقدين[10].

وفي 2017، شهد العالم صيد 92.5 مليون طن من الأسماك وثمار البحر، أي أكثر من أربعة أضعاف المستوى المسجل سنة 1950، بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، وذلك نظرا للانفجار السكاني الذي حصل في العقود الأخيرة، وارتفاع الرغبة الاستهلاكية لدى الأفراد بفعل التسويق الإعلامي المكثف. لذلك فإن المنظمات المعنية بالصيد البحري والثروة السمكية وفي مقدمتها منظمة “فاو” تحذر من أن ثلث مخزون الأسماك في العالم يقع ضحية الاستغلال المفرط من طرف الإنسان؛ وهو ما يعني أن بعض الأنواع السمكية مهددة بالزوال لأن مخزون الأسماك يعني عددها في منطقة جغرافية محددة ينذر بفنائها مستقبلا[11].

يضاف إلى ذلك استخدام الوسائل المحظورة في الصيد مما زاد الوضع سوءا خصوصا مع تقنيات الصيد في أعماق البحار إذ ترمى الشباك وتثبت في القاع، وهو ما يؤثر على الشعاب المرجانية والإسفنج، وكذلك استخدام الصعق الكهربائي، التي تؤدي إلى نتائج كارثية على الأنواع وعلى صحة الأسماك، ولهذا قرر الاتحاد الأوروبي حظر الصيد الكهربائي اعتبارا من 2021، باعتبار أن الصيد بالصعق الكهربائي كارثة حقيقية، فما بين 50 و70% من سمك القد تصاب بجروح أو يتكسر عمودها الفقري أو تتعرض لنزيف داخلي بسبب الصعق[12].

كما أن التنوع البيولوجي في المناطق الاستوائية يتم الاعتداء عليه باستمرار، وتتعرض العديد من أنواع النباتات والحيوانات للتهديد بسبب تدمير بيئاتها الطبيعية، أما الحياة البرية الأخرى، فإنها مهددة بالصيد المفرط والمحاصرة لأغراض التجارة (خاصة الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، مثل وحيد القرن والفيلة الأفريقية). وتشير توقعات البيئة العالمية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2000 إلى أنه في عام 1996، كان 25 في المائة من حوالي 4630 نوعاً من الثدييات و 11 في المائة من 9675 نوعاً من الطيور معرضة لخطر الانقراض الكلي. ويتم الإفراط في صيد الحيتان (ارتفع المصيد من حوالي 30 مليون طن في عام 1958 إلى 50 مليون طن في عام 1975، وإلى أكثر من 97 مليون طن في عام 1995)، مما يعرض للخطر أنواع مستدامة من الأنواع إلى الخطر[13].

ومن بين الأسباب الرئيسية للهجوم البشري على البيئة هو الفساد المالي والإداري المستشري في بعض الأجهزة الحكومية المكلفة بالرقابة خصوصا في الدول النامية، وهو ما يفتح الباب أمام تجار المواد السامة والأعمال غير المشروعة للعبث بالبيئة. وفي هذا الصدد، تأتي فضيحة إفراغ المواد السامة التي حدثت في ساحل العاج زوبعة سياسية في البلد الإفريقي أطاحت بالحكومة بعد استقالة أعضائها. في غضون ذلك، فُتح تحقيق في هولندا ضد الشركة التي استأجرت سفينة الشحن التي حاولت إسقاط التهمة عن نفسها بدعوى أنها حصلت على رخصة لتخزين النفايات من المسؤولين العاجيين، لكن محاولات الشركة التملص من المسؤولية كانت غير مجدية، لأن عملية تفريغ شحنة سامة في القارة السمراء يفتقر إلى أسس قانونية. لقد قامت الشركة بخرق ثلاث معاهدات دولية تم إبرام الأولى عام 1980 عقب فضائح نفايات سامة، فيما تحظر معاهدة “بازلر”، التي تم الاتفاق بشأنها عام 1989 وصادقت عليها نحو 10 دول حتى الآن، تصدير النفايات الضارة للدول النامية ناهيك عن معاهدة “لومي” التي التزمت فيها دول الاتحاد الأوروبي بعدم تصدير النفايات إلى أي بلد إفريقي، كما قامت الدول الإفريقية كذلك، في السياق نفسه بمبادرات مشابهة أفضت إلى توقيعها على اتفاقية تعهدت فيها تلك الدول عن حظر استيراد المواد السامة من الدول

الصناعية[14].

المحور الثاني: الأزمات البيئية

غالبا ما يثور سؤال جوهري حول مكانة البيئة بكل مكوناتها في المسألة الأخلاقية، أو بعبارة أخرى، هل تمتلك الطبيعة، أو أجزاء من الطبيعة (مثل الحيوانات أو النباتات)، قيمة جوهرية أو متأصلة؟ لأن هذا السؤال يشجعنا على تغيير سلوكنا تجاه الطبيعة، بمعنى إذا كان للطبيعة لها قيمة أخلاقية فإن الإنسان لديه واجب أخلاقي للتصرف تجاهها بطرق معينة لا يكون فيها ضرر. هذا الأمر يدفعنا لإثارة سؤالين أخرين: أحدهما سؤال فلسفي حول نوع القيمة التي تمتلكها الطبيعة؛ والآخر هو سؤال سياسي يدور حول كيفية تحفيز الناس على التصرف بناءً على الاعتراف بتلك القيمة. وهو ما يقود في نهاية المطاف للاعتراف للبيئة خصوصا الحيوانات أن لها قيمة جوهرية متأصلة، منها الحق في العيش حياة كاملة وأنها تمتلك مصالح أو حقوق وما يترتب عن ذلك من التزامات[15]. وبالتالي، فلا يحق للإنسان الاعتداء على البيئة بدافع سد حاجاته أو إشباع رغباته ومصالحه، فلا يمكن أن يكون ذلك على حساب البيئة التي تملك نفس القيمة التي يمتلكها الإنسان.

إن النمو الصناعي هو المحرك الأساس لعمليات التنمية وزيادة مستويات الدخول وتحسين مستويات المعيشة في الدول المختلفة، إلا أنه في الوقت نفسه له تأثيرات سلبية متعددة أهمها تأثيره البالغ والسلبي على البيئة حيث تتسبب الصناعة بصورة خاصة وبدرجة كبيرة في زيادة مستوى التلوث البيئي لاسيما الصناعات الثقيلة التي تكون على المستوى العالمي؛ لأن الدول المتقدمة تنقل صناعتها للدول الفقيرة مستفيدة من رخص العمالة وانخفاض الضرائب والأهم من ذلك نقل التلوث من دولها الأصلية التي تكون غالبا متشددة في مسألة التلوث البيئي إلى الدول الضعيفة ذات المحاسبة البيئية البسيطة، وعلى الرغم من أن تقدم الصناعة قد بلغ درجة من التطور عالية جدا لما يتميز به هذا التقدم من مزايا اقتصادية عديدة ولكنه في الوقت نفسه كان ولا يزال سببا في فساد البيئة وإلحاق الضرر بالحياة البيئية[16].

ينشأ أحد التحديات القادمة من تأثير زيادة درجة الحرارة المرتبطة بتغير المناخ في تسهيل انتقال الأمراض المعدية، وتوسيع توزيع بعض الأمراض المنقولة. وقد أكدت العديد من الدراسات الصلة بين تغير المناخ وانتقال الطاعون، حيث تتجسد آثار تغير المناخ على الأمراض المعدية من خلال مجموعة من المسارات المعقدة التي تشمل أجزاء مختلفة من الطبيعة، وعلى الرغم على أنه من الصعب تتبع العلاقة بين تغير المناخ والأمراض المعدية، إلا أن أغلب الأدلة التاريخية تشير إلى أن الارتباطات العرضية والموسمية والسنوية بين المناخ والمرض تتراكم على بعضها البعض للتأثير على الأمراض المعدية بطريقة كبيرة، حيث أظهرت التجارب أن الظروف المناخية الباردة والجافة زادت بشكل غير مباشر من انتشار الأوبئة من خلال تأثيرات الجراد والمجاعات. كما كشفت النتائج كذلك أن اتجاهات درجة الحرارة المنخفضة التردد والطويلة المدى ساهمت بشكل رئيسي في الارتباطات السلبية بالأوبئة، في حين تزامنت الارتباطات الإيجابية للأوبئة مع الجفاف والفيضانات والجراد والمجاعات بشكل رئيسي مع كل من تغيرات درجات الحرارة العالية والمنخفضة التردد[17].

وقد أظهرت دراسات أخرى بعض الأدلة على التأثير المناخي على انتشار الطاعون المعاصر في القوارض والبشر. على سبيل المثال، في آسيا الوسطى، ترتبط المؤشرات المناخية عالية الدقة بانتشار الطاعون مع كثافة السكان.[18]

ومع ذلك، لا تزال الأسباب والنتائج تتراكم بشكل دقيق خاصة على النطاقات الزمنية التاريخية إلى الحد الذي نعرف فيه مدى تأثير تغير المناخ على انتشار الأوبئة، سواء على المدى القصير أو الطويل، لأنه قد يكون المناخ على المستوى القاري والعالمي شرطاً ضرورياً للحث على تفشي الوباء، ولكنه لا يكفي لتفسير سبب حدوثه. من أجل هذا التفسير الأكثر وضوحا، فإن البيئة المحلية الدقيقة والشبكات البشرية ضرورية لتأسيس وتعديل تأثيرات المناخ العالمي[19]. هذا ما يوفره التاريخ البيئي والمناخي.

وفي نفس السياق، نجد أن هناك أدلة متزايدة على أن الاحتباس الحراري يتسبب في عودة ظهور الفيروسات والأوبئة مثل الملاريا وحمى الضنك، مما يؤدي إلى انتشار الأوبئة بين الأشخاص الذين ليس لديهم مناعة قوية. لقد أدى الاحتباس الحراري في ألاسكا إلى زيادة نمو الأشجار ولكنه زاد أيضاً من أعداد الآفات الحشرية التي تضر بالغابات.  تشير دراسة حديثة إلى أن تكلفة حماية السواحل البريطانية من ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بالاحتباس الحراري على مدى السنوات الخمسين المقبلة قد تكون باهظة تقارب 1.2 مليار جنيه إسترليني[20].

إن معظم هذه الأزمات البيئية مترابطة، مما يجعل المشكلة معقدة بشكل خاص، على سبيل المثال ، يساهم انبعاث ثاني أكسيد الكربون في كل من الاحتباس الحراري وتدهور المحيطات بسبب تحمض مياه المحيطات؛ إذ، غالباً، ما تكون الغازات التي تساهم في الاحتباس الحراري هي نفس الغازات التي تساهم في اختفاء أوزون الستراتوسفير. ويلعب الاحتباس الحراري أيضاً دورا في اختفاء الأنواع، كما يساهم في تدمير الموائل كما هو الحال في القطبين. وهو ذات الأمر بالنسبة لإزالة الغابات الذي يساهم بقدر كبير في استنزاف موارد الأشجار وبالتالي تدمير موطن الغابات؛ وهو ما ينعكس أيضاً، في الاحتباس الحراري وتدهور الأراضي وتآكل التنوع البيولوجي. وهذه التغيرات كلها تؤثر في نظام هطول الأمطار، بسبب إزالة الغابات أو تغير المناخ.

وهذا يُنتج آثارا إنسانية عديدة؛ يمكن أن نقول، على سبيل المثال، أن التلوث، وخاصة تلوث الماء والغذاء، يشكل تهديداً للصحة العامة (أمراض الربو والحساسية والسرطانات..)؛ وهذا ينطبق أيضاً على تغير المناخ الذي يساهم في انتشار أمراض عدة وفي ظهور فيروسات جديدة قاتلة. كما أدى الاحتباس الحراري، بالفعل إلى تشريد بعض السكان وهجرانهم لبيوتهم وبلدانهم بحثا عن مأوى جديد، وما يصاحب ذلك من دمار وأزمات نفسية واجتماعية.

ومع ذلك، تساهم عوامل بشرية أخرى بشكل أكثر مباشرة في هذه التهديدات، فالإنسان في بحثه عن الرفاهية يدمر ما حوله ويدمر نفسه معها، على سبيل المثال، يؤدي إنشاء مزارع كبيرة أو مناطق صناعية للغاز والنفط إلى تدهور البيئة بالنسبة للسكان ويؤثر سلباً على صحتهم أو يجبرهم على الانتقال. كما أن للكوارث البيئية عواقب أكثر مما ينبغي لأن الناس يعيشون في مناطق معروف أنها معرضة للخطر[21].

يمكن أن ينتشر الفيروس أو المرض في مناطق المعمورة ليصبح وباء أو جائحة عن طريق التدفق الهائل الذي تساهم فيه وسائل النقل والشبكات الاجتماعية. نأخذ كمثال على ذلك، حالة الموت الأسود أو ما يسمى بالطاعون، فإن محورية شبكات المواصلات تؤثر بشكل رئيسي في نقله وتعريض البشر له، لذلك فالسيطرة على مكان ظهور الوباء وتحديد وقت وصول المرض يخفف من حدة انتشار الوباء ومن ثم احتواؤه[22].

أصبحت مؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني العالمي تحظى باهتمام متزايد من قبل الحكومات ووسائل الإعلام والبلدان المتقدمة، حيث تتصدر الاهتمامات العامة والسياسية، والاقتصادية، ولقد شهدت في البلدان الغربية نموا متسارعا في العقدين الماضيين حيث أصبح نشاط هذه المؤسسات يحتل حيزا مهما في المجتمعات بما تملكه من أصول، وما توفره من خدمات اجتماعية كثيرة، وبتمويلها لشبكة واسعة من المؤسسات الخدمية في مجالات حيوية عدة، كالتعليم، والصحة، والاقتصاد، والثقافة والفنون، والبحث العلمي، وحقوق الإنسان، ورعاية الطفولة ، وحماية البيئة … وغيرها من الخدمات والمنافع العامة فقد دعي هذين القطاعين في السنوات الأخيرة لدعم وتطوير السياسات البيئية وتقويتهما للإسهام في التنمية البيئية في جميع دول العالم[23].

إن الاعتداء على الطبيعة ومحتوياتها يؤدي مع مرور الزمن إلى تدهور البيئة، وإلى أن تصبح كثير من النشاطات التي صممت أصلا لتأتي بالتقدم والتنمية سببا في التدمير والتخلف، ولعل أول خطوة حول إمكانات الحل يمكن القيام بها لوقف هذه الاعتداءات، وحل مشكلة التدهور في البيئة هو اتباع أسلوب التنمية المستدامة، والتي تهدف إلى الامتناع عن الاعتداء على البيئة الطبيعية ومكوناتها، والتوازن والاعتدال في استغلال مواردها المتجددة وغير المتجددة مع اتخاذ خطوات إيجابية لإعادة التوازن البيئي للمستوطنات البشرية[24].

وأخيراً، تساهم هذه الأزمات البيئية في الأزمات البشرية المختلفة (التأثيرات على السكان) مثل:

الحد من توافر مياه الشرب والوصول إليها ونوعيتها؛ الحصول على الرعاية الصحية؛ أزمة الغذاء؛ اللاجئون البيئيون (اللاجئون بسبب المناخ)؛ الكوارث البيئية (الفيضانات ، الجفاف ، إلخ)؛ التهديد للصحة (أمراض الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية ، وتعطل الجهاز الهرموني والجهاز العصبي، والسرطان، ومشاكل الجهاز التنفسي والعصب النفسي، وضعف نمو الجنين والجهاز المناعي، وأمراض الغدد الصماء والخلل التناسلي)؛ وخسائر للثقافة والعلوم.

وصفوة القول، فالاعتداء على البيئة يشكل اعتداءً على حق أصيل من حقوق الإنسان، حيث يمثل الحق في بيئة صحية وسليمة أحد أهم حقوق الجيل الرابع لحقوق الإنسان التي تعرف بالحقوق الجماعية والتضامنية. لذلك يعتبر الاعتداء على البيئة اعتداءً على هذا الحق الأصيل الذي يستلزم حماية قانونية دولية ووطنية كما يستلزم حماية ومتابعة قضائية سواء على المستوى الوطني أو المستوى الدولي من أجل زجر مرتكبيه والحفاظ على التوازن البيئي؛ لأنه يؤدي في الأخير إلى أزمات إنسانية قد لا يكون آخرها جائحة كورونا (كوفيد 19)، بل قد يكون بداية لسلسلة من الجوائح والكوارث المرتبطة أساسا باعتداء الإنسان على البيئة وهجومه المستمر على مكوناتها وعناصرها دون أن يراعي أدنى الشروط الصحية ولا اعتبار أوجه السلامة في خطواته التي ستجر الوبال عليه في نهاية الأمر.


الهامش

[1]  أحمد السروي، الملوثات الطبيعية والصناعية، المكتبة الأكاديمية، ط1، 2011، ص15

[2]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، دار عالم الثقافة للتوزيع، 2016، ص175

[3]  بشير محمد أمين، “الحمايــة الجنائيــة للبيئـــة”، رسالة دكتوراه، جامعة الجيلالي اليابس، كلية الحقوق، الجزائر، 2015-2016، ص5

[4]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، مرجع سابق، ص81

[5]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، مرجع سابق، ص174

[6]  أيوب أبو ديّة، البيئة في مئتي سؤال، دار الفارابي للنشر والتوزيع، 2010، ص94

[7]  ديار حسن كريم، الجغرافيا البيئية، دار الجنادرية للنشر والتوزيع، 2015، ص218

[8] Chris C. Park‏, The Environment: Principles and Applications, Psychology Press, p9

[9]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، مرجع سابق، ص78

[10]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، مرجع سابق، ص81

[11] الرابط

[12] الرابط

[13] Chris C. Park‏, The Environment: Principles and Applications, Psychology Press, p9

[14]  حمزة الجبالي، التحديات البيئية في القر ن الحادي والعشرين، مرجع سابق، ص170

[15] Neil Carter‏, The Politics of the Environment: Ideas, Activism, Policy, Cambridge University Press, third edition, 2018, p16

[16]  بشير محمد أمين، الحمايــة الجنائيــة للبيئـــة، مرجع سابق، ص27

[17] Tian H et al. (2017) Scale-Dependent Climatic Drivers of Human Epidemics in Ancient China. PNAS, 114: 12970-12975.

[18]  Kausrud KL et al. (2010) Modeling the Epidemiological History of Plague in Central Asia: Paleoclimatic Forcing on a Disease System Over the Past Millennium. BMC Biology, 8: 112.

[19] Brook T (2017) Differential effects of global and local climate data in assessing environmental drivers of epidemic outbreaks. PNAS, 114: 12845-12847.

[20] Chris C. Park‏, The Environment: Principles and Applications, Psychology Press, p6

[21] Thierry Lefèvre, Les activités humaines, leurs impacts, la crise environnementale globale et les crises humaines, https://planeteviable.org/activites-humaines-impacts-crise-environnementale-globale-crises-humaines

[22] Gómez JM & Verdú M (2017) Network Theory May Explain the Vulnerability of Medieval Human Settlements to the Black Death Pandemic. Scientific Reports, 7: 43467.

[23]  نوال علي تعالبي، الحوكمة البيئية العالمية، مركز الكتاب الأكاديمي، 2015، ص12

[24]  رضا محمد السيد، المدخل إلى الجغرافيا العامة، الأكاديميون للنشر والتوزيع، 2016، ص 285

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close