fbpx
تقارير

رهانات التعاون الدولي في ظل أزمة كورونا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

رهانات التعاون الدولي في ظل أزمة كورونا

مقدمة

منذ إنشاء منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 بأهدافها السامية التي كانت ترمي إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية التي أنهكت العالم بخسائر مادية وإنسانية كبيره وتلبية لمبادئ المدرسة المثالية التي تنبني على أسس تعزيز التعاون بين الدول بكافة أشكاله العلمية، الدبلوماسية، الاقتصادية، الثقافية والأمنية والعسكرية، قلت نسب الحروب بين الدول بتبني معاهدات دولية تشكل أسس القانون الدولي المنظم للعلاقات الحديثة بين كافة الدول المنتمية لمنظمة الأمم المتحدة.

فأصبح التعاون الدولي هو الأساس المنظم للعلاقات الدولية متمثلا في شكلين. علاقات تعاون بين بلدين صديقين وهو ما يسمى بالتعاون الثنائي القطبية، ثم التعاون المتعدد القطبية المتمثل في الاتفاقيات المبرمة في إطار المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. وقد تكرس مبدأ التعاون الدولي اقتصاديا من خلال ظهور وتبني العولمة التي أصبحت من خلالها العلاقات بين الدول مترابطة وتجاوزت الحدود المادية والجغرافية فيما بينها من اجل خلق سوق مشتركة بين الدول عبر إنشاء منظمات سياسية اقتصادية لتشريع هذا الشكل من التعاون كالاتحاد الأوروبي مثلا. وعلى المستوى الأمني تم توقيع معاهدات ترجمت بإنشاء منظمات سياسية عسكرية بين دول مختلفة هدفها مواجهة التهديدات الأمنية والدفاع المشترك كمنظمة حلف الناتو. ظهر التعاون الدولي إذن ليغير مفهوم الدولة المنطوية على ذاتها والتي تعتبر القوة العسكرية أساسا وحيدا لقوة الدولة (المدرسة الواقعية) ليصبح العالم متفقا على أن المصالح المشتركة بين الدول هي التي تحدد مجرى العلاقات السياسية والاقتصادية فيما بينها.

غير أن التعاون الدولي أصبح موضوع تساؤل حول تداعياته الحالية وكذا مستقبل العلاقات الدولية المبنية على أساسه في ظل ظهور أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر 2019 لينتشر بسرعة مذهلة بكافة أرجاء العالم مخلفا الآلاف من الضحايا.

فهل كشفت أزمة كورونا عن قوة مفهوم التعاون والتضامن ما بين الدول وقت الأزمات، أم أصبح هذا المفهوم على العكس هشا وضعيفا، وما آثار هذه الحيثيات على العلاقات الدبلوماسية بين الدول؟

التعاون الثنائي القطبية: بين توطيد العلاقات الدبلوماسية وإعادة ترتيبها

منذ انتشار وباء فيروس كورونا بمدينة ووهان، قامت السلطات الصينية بعزل تام للمدينة لكن الفيروس كان قد انتشر بالصين ليفتك بأقاليم هوباي، جوانجدونغ وهنان. انتقل بعد ذلك الفيروس لباقي بلدان العالم بشكل تدريجي بفعل تنقل السكان المسافرين والبضائع ليتم عزل الصين كليا على المستوى الدولي بوقف الرحلات الجوية إليها من طرف العديد من الدول. ومع انتشار الجائحة بمختلف البلدان والقارات فقد لاحظنا التفاعلات التالية:

  1- مساهمة تقديم المساعدات في توطيد العلاقات الدبلوماسية

مع انتشار فيروس كورونا بالصين، أعربت هذه الأخيرة بداية فبراير 2020 عن قلقها إزاء ندرة الأقنعة الواقية؛ فبالرغم من أنها تعد من أهم الدول المصنعة في العالم وبالرغم من أنها تنتج نحو 20 مليون قناع واقي يومياً، إلا أنها أصبحت بحاجة للمساعدات الخارجية لتجاوز الأزمة مع تزايد عدد المصابين من أصل مليار نسمة من السكان. سارعت حينها دول بإرسال المستلزمات الطبية منها بريطانيا، اليابان كوريا الجنوبية وفرنسا. فهذه الأخيرة قامت بشحن تضامني يبلغ وزنه 17 طنًا من المستلزمات الطبية كالأقنعة والقفازات والمنتجات المطهرة. وقد تم تنسيق هذه العملية من قبل مركز الأزمات والدعم التابع لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية، بالتعاون الوثيق مع السفارة الفرنسية في بكين والقنصلية العامة الفرنسية في ووهان. تجمع هذه العملية بين مساهمات القطاع العام التي تمت تعبئتها من قبل وزارة أوروبا ووزارة الخارجية ووزارة التضامن والصحة، والدعم المالي لمجموعة رائدة عالمياً في منتجات عالية الجودة والتي وافقت على الاشتراك بهذه العملية، وكذا مساهمات من المجتمع المدني، ولا سيما رابطة خريجي جامعة ووهان. هذا النوع من التضامن يشكل تكريسا لعلاقات الصداقة بين الصين ودول أوروبا بشكل عام خصوصا بعد انتشار الوباء في العالم لتساهم الصين بدورها في إرسال المساعدات الطبية وكذلك الأطباء والخبراء الصينيين لدول أوروبا وبشكل خاص لإيطاليا التي أصبحت ثاني بؤرة للوباء عالميا بعد الصين.

أما فيما يخص تبادل الخبرات في العلاقات الثنائية بين الدول الصديقة، نأخذ مثال العلاقات ما بين الصين والمغرب، فمع انتشار الوباء بالمغرب قامت الصين بوضع تجاربها في خدمة الخبراء المغاربة من أجل إدارة الأزمة والممارسات التي يتوجب اتباعها. لذا فقد تم بنجاح عقد مؤتمرين عن بعد بالفيديو بين الخبراء الصينيين ونظرائهم المغاربة يومي 26 و27 مارس 2020. وفيما يتعلق بالمساعدات المالية فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإرسال مساعدات مالية للدول الصديقة المتضررة من الفيروس منها المغرب.

فمن أجل التخفيف من حدة انتشار الوباء قدمت حكومة الولايات المتحدة 6.6 مليون درهم (670.000 دولار أمريكي) للمغرب، من صندوق احتياطي الطوارئ للأمراض المعدية ومن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في إطار خطة التأهب والاستجابة الاستراتيجية لمنظمة الصحة العالمية. وحسب السفارة الأمريكية، سيساعد دعم الولايات المتحدة للمغرب والدول الشريكة الأخرى في إعداد مختبراتها للاختبار على نطاق واسع وتنفيذ خطة طوارئ فعالة للصحة العامة، وتفعيل اكتشاف الحالات والمراقبة القائمة على الأحداث لأمراض الأنفلونزا، وتدريب وتجهيز فرق الاستجابة السريعة، والتحقيق في الحالات وتتبع اتصالات الأشخاص المصابين وكذا تكييف مواد التدريب للعاملين في مجال الصحة لمواجهة فيروس كورونا.

من هنا نلاحظ أن العلاقات الثنائية القطبية بين الدول قد توطدت خلال أزمة انتشار فيروس كورونا لكن فقط بين الدول التي كانت تتوفر فيما بينها علاقات اقتصادية وإستراتيجية جيدة مسبقا.

2- ظاهرة القرصنة الحديثة ومساهمتها في إعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية

غير أنه وعلى نحو آخر نلاحظ ظاهرة لم يسبق لها الحدوث في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة وهي ظاهرة قرصنة المواد الطبية بين الدول الحليفة فيما بينها. فقد أغضبت الولايات المتحدة ألمانيا وفرنسا بعد مصادرة ملايين الأقنعة كانت موجهة لشحنها إلى دول أوروبية في خضم أزمة فيروس كورونا. وقد هاجم مسؤولون ألمان أمريكا لاعتراض طلبية بنحو 200 ألف قناع بمعمل شركة أمريكية بالصين، وقد اعتبر وزير الداخلية الألماني أندرياس جيزل هذا الحدث كعمل قرصنة حديثة وبان هذا الأمر مخالف للأعراف الدولية خاصة بين الشركاء بينما اتهم رئيس بلدية برلين الرئيس ترامب بـ “عدم التضامن” بعد الاستيلاء على الشحنة. عملية قرصنة أخرى تعرضت لها تونس عندما تمت سرقة شحنة من المواد الطبية والتعقيمية بالبحر من طرف إيطاليا حسب تصريح وزير التجارة التونسي في نفس اليوم الذي اقترح فيه الرئيس التونسي تقديم مساعدات طبية لإيطاليا خلال مكالمة هاتفية. وفي نفس السياق، اشترت الولايات المتحدة نقدًا، ثلاثة أضعاف السعر، مخزونًا من الأقنعة المخصصة لفرنسا مباشرة على مدرج المطار الصيني. طارت الطائرة في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة بدلاً من فرنسا حسب تصاريح رئيسي جهتين فرنسيتين.

اشكال التعاون الثنائي القطبية

من خلال هذه المعطيات يتبين لنا أن ظاهرة قرصنة المواد الطبية خلال أزمة كورونا هي عبارة عن حرب خفية بين الدول من اجل البقاء في تجاهل تام للأعراف الدولية. هذه الممارسات تعرقل التعاون الدولي وتخالف مبدأ التضامن حتى بين الدول الشريكة اقتصاديا، وعليه فمن المتوقع أن تحدث هذه الظاهرة إعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية بين الدول المتصارعة بما فيها الصديقة.

أقرأ أيضا: وباء كورونا وبنية النسق الدولي الأبعاد والتداعيات

هشاشة مبدأ التضامن لدى التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى

بعيدا عن دور منظمة الصحة العالمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في التصدي للوباء وكذا دور المنظمات غير الحكومية بمواردها المحدودة كأطباء بلا حدود وغيرها من منظمات المجتمع المدني، فقد شكلت أزمة انتشار فيروس كورونا فرصة لاختبار التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى.

1- ضعف مبدأ التضامن لدى البنك الدولي، وانقسامات وتأخر في إدارة أزمة كورونا داخل الاتحاد الأوروبي

مباشرة بعد تنامي الأزمة بالصين، تم عزل هذه الأخيرة بوقف الرحلات الجوية وقد واكب هذا العزل ضعف التضامن الدولي من التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى لمساعدة الصين على مواجهة هذه الأزمة. فقد كان التضامن ضعيفا وشبه غائب، نأخذ مثال البنك الدولي الذي عرض فقط المساعدة التقنية بتقديم وصايا حول كيفية التصدي للأزمات الصحية والأوبئة بدلا من تقديم المساعدات أو القروض المالية للصين. وفي مثال آخر يخص التكتلات الاقتصادية فقد أبان الاتحاد الأوروبي عن هشاشة مبدأ التضامن لدى الدول الأعضاء وكذا انقسامات بين الدول الأعضاء.

فقد أبانت أزمة كورونا عن هشاشة مبدأ التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي وكذا التأخير في إدارة الأزمة ومرافقة الدول المتضررة منها. هذا راجع بالأساس إلى تنامي الأنانية الوطنية بين الدول الأعضاء مما سيكون له انعكاسات على روابط وتماسك الاتحاد. من جهة أخرى هناك انقسامات بين دول الشمال ودول الجنوب، فقد رفضت دول الشمال كألمانيا وهولندا طلب الاستعانة الجماعية كانت قد تقدمت به كل من إيطاليا وإسبانيا بدعم من فرنسا، بلجيكا وغيرها من دول الجنوب. هذه التفاعلات جعلت الخبراء والباحثين يرجحون فرضية تفكك الاتحاد مستقبلا، خصوصا بعد الأزمة الاقتصادية المتوقعة بعد هذا الوباء العالمي.

2- محدودية التعاون لدى التكتلات الاقتصادية الصاعدة

مع انتشار وباء كورونا بالصين، سارع بنك التنمية الجديد التابع للتكتل الاقتصادي المعروف باسم البريكس والذي يضم كلا من البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا إلى منح قرض للصين بقيمة 7 مليار يوان في إطار برنامج بنك التنمية الجديد للمساعدة الطارئة في مكافحة كورونا.

فوسط تفشي المرض، ازدادت النفقات الحكومية العاجلة غير المتوقعة والمتعلقة بالحد الفوري من تفشي المرض، بشكل كبير، مما تسبب في ضغوط على الميزانيات المالية للحكومات على جميع المستويات في الصين، وخاصة في هوبي وقوانغدونغ وهنان.

وفي هذا السياق، لن يكون التزام بنك التنمية الوطني فقط بمساعدة الصين من خلال برنامج المساعدة لتعزيز التنمية المستدامة للبلدان الأعضاء فيه، ولكن الأهم توفر الدعم الطارئ الذي يحتاجه البلد العضو الذي يواجه تحديات اقتصادية خطيرة ومعاناة إنسانية.

بعيدا عن نموذج التعاون المالي الخاص بمجموعة البريكس، تم تطوير التعاون فيما يخص تبادل المعلومات داخل التكتل الاقتصادي الآسيان أو المنظمة الحكومية الدولية الإقليمية التي تضم عشرة بلدان في جنوب شرق آسيا.

فمنذ أن تبادل مسؤولو الصحة من الصين المعلومات الأولى عن المرض، كانت شبكة مركز عمليات الطوارئ التابعة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا لحالات الطوارئ الصحية العامة بقيادة ماليزيا، وبدعم من أمانة رابطة أمم جنوب شرق آسيا، تتبادل تحديثات الحالة اليومية. كما أنها توفر معلومات حول تدابير الوقاية والكشف والاستجابة لكبار المسؤولين في الآسيان من أجل التنمية الصحية في الآسيان والصين واليابان وكوريا (بالإضافة إلى ثلاثة بلدان).

يضاف إلى ذلك تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي للتدريب على الوبائيات من خلال تبادل الرسائل الفورية عبر الهاتف المحمول داخل الشبكة التي تتكون من مسؤولي الوقاية من المراض ومكافحتها في الدول الأعضاء.

كما تبادلت الدول الأعضاء في رابطة أمم جنوب شرق آسيا إجراءات الاستعداد والاستجابة للمختبرات من خلال الشبكة الإقليمية لمختبرات الصحة العامة بقيادة تايلاند. كما استفادت إجراءات الاتصال الوطنية الحالية بشأن المخاطر لنشر التدابير الوقائية والسيطرة، بما في ذلك مكافحة الأخبار والمعلومات الكاذبة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي، من برامج التأهب وبناء القدرات لمركز تقييم المخاطر واتصالات المخاطر في الآسيان.

من خلال نموذجي البريكس والآسيان، يتبين لنا أن الإرادة السياسية للتضامن موجودة بين الدول الأعضاء في محاولة إيجاد حلول لازمة انتشار فيروس كورونا بهذه الدول. غير ان الجانب الاقتصادي لا يزال مسيطرا على الجانب الإنساني حيث أن الدعم بخصوص دول البريكس كان عبارة عن قرض، في غياب للمساعدات الطبية، نفس الأمر بالنسبة للآسيان التي ركز قادتها في بيان رسمي على تكثيف الجهود من أجل إنقاذ الاقتصاد حيث لم يتم إغلاق شامل للحدود بين الدول الأعضاء. وقد حال ذلك دون إعطاء الأولوية للجانب الإنساني حيث قد ثبت بأن التنقل بين الدول من أهم أسباب تفشي الوباء بالعالم، وقد اكتفى التعاون إذن بين دول الآسيان بتبادل المعلومات بل وقد قدمت حكومة الولايات المتحدة حوالي 18.3 مليون دولار في حالات الطوارئ الصحية والمساعدات الإنسانية للدول الأعضاء في الآسيان. مما يدل على ان دور المنظمة لا زال محدودا في كيفية إدارة الأزمات ماديا واقتصاديا.

خاتمة

يبدو أن أزمة كورونا كانت اختبارا للتفاعلات السياسية للدول في علاقتها ببعضها البعض. من جهة، ساهمت الأزمة في انعزال الدول مع تنامي الأنانية الوطنية مترجمة في حالات قرصنة المواد الطبية، ومن جهة أخرى، توطدت العلاقات الدبلوماسية من خلال تبادل المساعدات. أما على مستوى العلاقات المتعددة القطبية فقد بينت الأزمة هشاشة التكتلات الاقتصادية والمالية الكبرى فيما يخص مبدأ التضامن والتعاون الدولي في فترة الأزمات، كما أن التكتلات الاقتصادية الصاعدة أظهرت أن الدول الأعضاء قد أعطت الأسبقية للاقتصاد بدلا من الخسائر البشرية، من خلال عدم تبني حظر شامل وعدم إقفال الحدود بين الدول الأعضاء بشكل كامل، كما بينت محدودية الإمكانات المادية لديها. وعليه، فتقلبات التعاون الدولي خلال أزمة كورونا ستترك آثارا على مستقبل العلاقات الدبلوماسية بين مختلف دول العالم.

مراجع

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close