fbpx
تحليلاتقلم وميدان

مصر وتجمع الساحل والصحراء: تكامل أم هيمنة؟

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

عُقد بمدينة شرم الشيخ المصرية في 25 مارس 2016 الاجتماع الخامس لوزراء دفاع تجمع الساحل والصحراء الذي تم تخصيصه لمناقشة قضايا الأمن بمفهومها الشامل الذي يتضمن مواجهة الجريمة المنظمة عبر الحدود، وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، فضلا عن مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، أو ما يعرف بالإرهاب.

ربما لم يختلف الاجتماع الأخير بشرم الشيخ عما سبقه من اجتماعات فيما يتعلق بالقضايا الأمنية التي ناقشها وعلاقتها بالأمن القومي للدول الأعضاء والتي تتضمن مواجهة الجريمة المنظمة عبر الحدود، وتجارة المخدرات، والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية، فضلا عن مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، أو ما يعرف بالإرهاب، لكن ربما الجديد أن الاجتماع يحاول تدشين بعض المواثيق والمؤسسات الأمنية الجديدة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، وإن كانت تتطلب موافقة قمة رؤساء الدول والحكومات عليها، وأهمها البنود 16 و17 و18، والتي نصت على ما يلي :

المادة (16): “إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب يكون مقره مصر على أن يكون هذا المركز أداة لتبادل المعلومات والعمل التشاوري حول الشواغل المشتركة المرتبطة بالتهديدات الإرهابية في دول التجمع بما يتسق مع نص الوثيقة الإطارية لإستراتيجية التنمية والأمن في فضاء الساحل والصحراء”.

المادة (17): “اعتماد الوثيقة المنقحة من آلية منع النزاعات وإدارتها وتسويتها في إطار التجمع بعد دراستها من قبل المجلس التنفيذي في اجتماعه الدوري القادم”.

المادة (18): “اعتماد الوثيقة الخاصة بالمجلس الدائم للسلم والأمن الخاص بالتجمع ولائحته الداخلية بعد دراستها من قبل المجلس التنفيذي في اجتماعه الدوري القادم”().

وهنا ينبغي إيراد بعض الملاحظات على هذه الجوانب الأمنية، والموقف المصري منها

1ـ أن هذا الاجتماع يأتي تصويبا لمسار التجمع الأمني، بعد فشله في تحقيق أهدافه التي نشأ من أجلها عام 1998، وهي أهداف اقتصادية بالأساس، لحقتها أهدافا سياسية وأمنية باعتبار الاستقرار السياسي شرط أساسي للتكامل الاقتصادي. ومن هنا اعتمدت الدورة الاستثنائية لقمة رؤساء دول وحكومات التجمع في 17 فبراير 2013 بالعاصمة التشادية إنجمينا معاهدة جديدة للمنظمة٬ ومجموعة من النصوص المتعلقة بالنظام الداخلي لقمة رؤساء دول وحكومات التجمع والنظام الداخلي للمجلس التنفيذي والنظام المالي. واعتبر ذلك ولادة جديدة لتجمع دول الساحل والصحراء. وقد جاء الاجتماع الأخير كمحاولة لترجمة هذه الأقوال إلى أفعال، لكن يبدو أن الأمر قد يستغرق وقتا أطول لعقبة التمويل من ناحية، ولازدواجية العضوية مع تجمعات أخرى فرعية من ناحية ثانية.

2ـ تركز المؤسسات الرئيسية للاتحاد في ليبيا كالأمانة العامة في طرابلس، وكذلك لجنة السفراء المعتمدين لدى دولة المقر، وأيضا المصرف الأفريقي للتجارة والتنمية، الذي يعد أداة التمويل الرئيسي للتجمع، يعد أحد نقاط ضعفه بسبب الأحداث التي تمر بها ليبيا الأن والتي تعد الممول الأساسي له.

3ـ انضمام معظم الدول الأعضاء لمنظمات أخرى، يجعل اهتمامها به أقل في مجال تسوية الصراعات الداخلية أو حتى الحدودية بين دوله، بل إن أي عملية تسوية لأية نزاعات تحدث في هذه الدول، فسيتم تسويتها من خلال الإيكواس في الغرب، الإيكاس في الوسط، الإيجاد في الشرق. وبالتالي يصبح التجمع أقل أهمية من الزاوية الأمنية. ولعل المثال الواضح على ذلك هو نيجيريا التي عملت على تسوية الأزمة الخاصة بعملية توريث السلطة في توجو لابن الرئيس الراحل أياديما (2005) من خلال الإيكواس وليس من خلال الساحل والصحراء التي لم تحرك ساكنا في الأزمة، بل إن مواقف القذافي تم تفسيرها بتأييده الضمني لعملية الانقلاب التي قام بها نجل الرئيس بالمخالفة لمبادئ التجمع.

4ـ إن جرائم الإرهاب والجرائم العابرة للحدود وغيرها قد تشكل أهمية خاصة للدول الأوربية التي يشكل لها هذا الإقليم أهمية كبيرة من النواحي الاقتصادية، الجيوسياسية، الأمنية ” لوجود الجماعات المسلحة، الهجرة غير الشرعية، وإن كانت أوربا تركز على بعض الدول التي يطلق عليها دول القلب باعتبارها الأكثر أهمية في هذا الشأن مثل النيجر، تشاد، موريتانيا، فضلا عن اهتمامها بالتطورات في ليبيا.

5ـ بالنسبة لمصر، فلا بد أولا من الإشارة إلى أن انضمامها للتجمع رسميا في 2005 ” أي بعد 7 سنوات من إنشائه ” لم يأت لاعتبارات موضوعية تتعلق برغبة القاهرة في تعميق تعاونها الإقتصادي مع دوله بإعتبارها عضوا فاعلا في تجمع أخر هو الكوميسا”، وإنما جاء لاعتبارات سياسية تتعلق برغبة مبارك في مجاملة القذافي من أجل تحسين العلاقات السياسية معه ومعنى ذلك أن الدوافع الموضوعية مثل الأمن القومي، والأمن المائي، فضلا عن الدوافع الجيوبوليتيكية، وكذلك الاقتصادية –باستثناء الحفاظ على أوضاع العمالة المصرية والتي تدخل في إطار العلاقات الثنائية بالأساس-لم تكن هي المحرك الأساسي لانضمام مصر للتجمع، وهو ما انعكس على أدائها خلاله مقارنة بتجمع الكوميسا على سبيل المثال.

6ـ إن ليبيا والسودان هي نقطة التماس لمصر مع دول التجمع. وإذا كانت ليبيا هي الحلقة الأهم الآن فيما يتعلق بموضوع تهريب السلاح، فإن العلاقة الوطيدة بين السيسي وحفتر الذي يسيطر على أجزاء من المناطق الحدودية قد تجعل مصر مهتمة أكثر بليبيا عن باقي دول التجمع، لاسيما إذا كانت أكثر خبرة في مجال مواجهة الجماعات المسلحة. اللهم إلا إذا كان السيسي يبحث عن هيمنة سياسية وملء الفراغ الذي تركه رحيل القذافي في التجمع، بما قد يخدمه في ترويج نفسه إفريقيا بعد تراجع دور مصر خارجيا منذ مبارك.

لكن تبقى هناك عدة إشكاليات في هذا الشأن منها مشكلة التنافسية مع الدول الكبرى كنيجيريا، فضلا عن إشكالية التمويل والدعم المادي لهذه الدول. وقد يحاول السيسي تعويض ذلك عبر ورقة الإرهاب المشترك وخبرته في هذا الشأن، في محاولة لكسب ود هذه الدول من ناحية، فضلا عن مداعبة الدول الأوربية التي تدعم بعض المشاريع الأمنية في هذه المنطقة (). وإن كانت هذه الدول تعتبر مصر دولة شرق أوسطية وليست دولة من دول الساحل والصحراء. ومن ثم فإنها قد تدخل في حسابات المنظومة الشرق أوسطية لكل من أوربا وأمريكا على حد سواء.

7ـ أن دخول السيسي للتجمع من ورقة إرهاب الإخوان، قد لا يروق لترويج نفسه في التجمع لعدة اعتبارات منها عدم وجود تنظيم قوي للإخوان في بعض هذه الدول، أو أن التنظيم قد لا يشكل خطورة ترقى لخطورة التنظيمات المسلحة بها. وبالتالي قد تكون ورقة داعش هي الورقة التي يمكن أن يساوم بها، لكنها مساومة ستكون محدودة للاعتبارات السابق الإشارة إليها.

——————————–

الهامش

– حول هذه النصوص أنظر نص وثيقة الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب (نص كامل)، جريدة المصري اليوم

() سعد الدين العثماني، منطقة الساحل والصحراء. التحديات والآفاق المستقبلية، الجزء الأول، الجزيرة نت، 31-1-2014، الرابط

() خالد حنفي ” تقويم الأداء التكاملي لتجمع الساحل والصحراء” في د. محمد عاشور، أحمد علي سالم، “محرران”، التكامل الإفريقي في أفريقيا… رؤى وأفاق (القاهرة: معهد البحوث والدراسات الأفريقية ومشروع دعم التكامل الإقليمي، إبريل 2005) ص ص 240-241

() من بين هذه المشاريع  برنامج مكافحة الإرهاب في الساحل الممول على المدى البعيد ب 6,7 مليون يورو خلال الفترة 2012-2014 لتعزيز القدرات المحلية والتعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأسيس كلية للأمن في الساحل تكون قادرة على توفير قوات التدخل والقمع، وتضمن تداول المعلومات والخبرات بين كل الشركاء، وتمويل برنامج نظام معلومات شرطة إفريقيا الغربية ب 2,2 مليون يورو، وتتمحور المبادرة على تأسيس قاعدة تبادل معلومات بين أجهزة الشرطة في خمس دول هي: بنين، وغانا، ومالي، وموريتانيا والنيجر بالشراكة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والإنتربول، يضاف إلى ذلك منحة الصندوق الأوربي للتنمية ب41 مليون يورو (2012-2017) لصالح مشروع السلم والأمن لدول الإيكواس بدعم وتقوية قدراتها المؤسساتية، أما برنامج العمل لمكافحة تجارة المخدرات والجريمة المنظمة في نفس المجموعة فتم تدعيمه من الصندوق الأوربي للتنمية ب19,7 مليون يورو (لمزيد من التفاصيل أنظر: جميلة علاق، استراتيجيات التنافس الدولي في منطقة الساحل والصحراء، (الجزائر: جامعة محمد لمين دباغين سطيف 2، مجلة العلوم الاجتماعية، العدد 19 ديسمبر 2014)، الرابط.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close