fbpx
دراساتاقتصاد

ملامح اقتصادية متوقعة لفترة ما بعد كورونا

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

مقدمة

في ظل الانتشار العالمي السريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، والتبعات الصحية والاقتصادية والسياسية المترتبة عليه، يمكن الجزم أن متابعة تطورات الفيروس، والبحث عن طرق للتغلب عليه، ومواجهة التبعات التي خلفها انتشاره السريع، صار هو الشاغل الأساسي، بل الوحيد لكل دول العالم في الوقت الراهن.

تؤكد التطورات التي شهدها العالم خلال الأشهر الأخيرة، أن اقتصادات دول العالم أجمع ستتضرر جراء الوباء، ومن الراجح أنه كلما كان اقتصاد الدولة أكثر قوةً وتنوعًا؛ كلما زادت قدرته على الخروج من الوباء بخسائر أقل من غيره.

كذلك يمكن القول أنه على المدى القصير، فإن حالة عدم اليقين والتي باتت تسود العالم حول المواعيد المفترضة لانتهاء الأزمة، ربما تدفع بعض الدول خلال أسابيع من الآن لإصدار استثناءات للصناعات التي تقوم على توفير السلع الأساسية، وذلك في إطار تبني سياسات صحية أقرب للتكيف مع أزمة طويلة الأمد، في سبيل تأمين ما صار يُطلق عليه العودة إلى (الوضع الطبيعي)[1]، خاصة وأن الكثير من الدول حول العالم قد تجد صعوبة في الحصول على تمويل خارجي لدعم اقتصاداتها، وذلك نظرًا للعدد الهائل[2] من البلدان المتضررة والتي تحتاج إلى تدخل عاجل[3].

إن كل ما سبق ذكره يرصد تداعيات الأزمة على المدى القصير، ولن تسعى الورقة إلى نقاش هذه التداعيات ودراستها بشكل مفصل -وذلك نظرًا لقيام العديد من الدراسات بذلك- ولكن ستستعى إلى استشراف بعض الملامح التي قد يبدو عليها الاقتصاد في فترة ما بعد الأزمة.

في هذا الصدد من المهم الإشارة إلى أنه صار يُعتقد على نطاقٍ واسع، أنه بغض النظر عن طبيعة التغيرات المتوقع حدوثها على وقع الأزمة الراهنة، فإن الأزمة بشكل عام ستقود العالم إلى إعادة النظر في الكثير من معطيات الوضع الاقتصادي، وقد تدفعه إلى إنهاء العمل بالكثير من القواعد التي سادت طوال الفترة الماضية[4].

وفي الحقيقة، فإنه من الأهمية بمكان البحث في هذه التوقعات ومحاولة استشرافها من الآن، فالذي سينجح في استشراف بعض ملامح فترة ما بعد كورونا من الآن؛ سيكون بطبيعة الحال هو الأقدر على اقتناص الفرص من غيره. ويسري هذا على مستوى الأفراد والدول سواء بسواء.

ستقوم الورقة بمحاولة استشراف أبرز التحولات التي من المتوقع أن تحدث بعد انقضاء الوباء، مع محاولة عدم الانغماس في تداعيات الأزمة الحالية، أو مآلاتها على المدى القصير، هذا مع التأكيد أن عملية الاستشراف تتم في الأساس طبقًا للمعطيات التي بين أيدينا الآن، ولا يمكن الجزم بضرورة حدوث كل ما تم توقعه، وإلا صار الأمر أشبه بعملية التكهن بالغيب. وبشكل عام فإنه من المفيد التذكير بدايةً بما توقعه المنتدى الاقتصادي العالمي، بأن هشاشة الاقتصاد العالمي، الذي يتمتع بمستويات عالية من المديونية وفقاعات الأصول، هو إرث من الطريقة التي تم بها إدارة الأزمة المالية العالمية 2008 بدلاً من حلها. وكما هو مبين في تقرير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2020، فإن هناك عددًا من نقاط التحول في النظام الاقتصادي، ومن المرجح أن ينتج عن الصدمة الاقتصادية الحالية تصحيح في مسار النظام الاقتصادي[5].

أبرز التوقعات الاقتصادية لفترة ما بعد كورونا

من المتوقع حدوث العديد من التغييرات على أصعدة عديدة في فترة ما بعد انحسار وباء فيروس كورونا، ويمكن رصد أبرز تلك التغييرات المتوقع حدوثها من خلال النقاط التالية:

1-العولمة والتعاون التجاري الدولي:

كان لانتشار وباء فيروس كورونا السريع أثر كبير على بنية العلاقات الدولية في عالمنا المعاصر. وصارت عبارة: “إن بنية النظام الدولي في فترة ما بعد كورونا، لن تكون مطلقًا كما كانت قبله” هي العبارة الأكثر ترددًا على ألسنة العديد -بل كل- خبراء السياسة الدولية.

في الحقيقة، فإن للعبارة السابقة مبررات عديدة، منها مثلًا ما أوردته صحيفة الواشنطن بوست، من أن الرئيس ترامب تنازل عن الدور الذي لعبه الرؤساء الأميركيون في كل أزمة عالمية سابقة، وهو المضي قدمًا في تقديم حلول ودعم الدول الأخرى وتنسيق الاستجابات متعددة الأطراف[6]. في حين أضافت صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية أن المساعدات التي وصلت إلى إيطاليا خلال الساعات والأيام الأولى لاندلاع الأزمة فيها لم تكن تحمل ألوان العلم الأمريكي كما كان معتادًا، بل حملت علم الصين الأحمر الذي بات يوضع إلى جانب العلم الإيطالي في معظم مناطق إقليم “لومبارديا” في شمال البلاد[7].

وهناك تحول أيضًا يشهده العالم في الوقت الراهن، وهو ما تقوم به روسيا من محاولة توسيع دورها، وبالأخص في منطقة البحر المتوسط، حيث قامت بإرسال تسع طائرات شحن على متنها أطنان من المساعدات الطبية، بالإضافة إلى أطباء وممرضين، وهي خطوة تعكس اهتمام روسيا المتزايد بمنطقة البحر المتوسط[8].

لا تسعى الورقة إلى محاولة استشراف النظام الدولي والعلاقات بين الدول في فترة ما بعد كورونا، لكن ما يمكن قوله، ويفيدنا في سياق التعاون التجاري والاقتصادي بين الدول، هو أنه صار يُعتقد على نطاقٍ واسع أن الدول ستجنح من الآن وبعد تراجع أزمة كورونا لعدة سنوات إلى الانكفاء الذاتي، والاهتمام بما يحدث داخل الدولة، وليس خارجها.

ويؤكد هذا الطرح ما أورده ريتشارد هاس خبير العلاقات الدولية ورئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية كل ما سبق بقوله “إن فيروس كورونا سيدفع الحكومات لبضع سنوات قادمة -على الأقل- إلى الانكفاء الذاتي والاهتمام بما يحدث في داخل الدولة، وليس خارجها. كذلك من المرجّح أن تساهم الأزمة في استمرار تدهور العلاقات الصينية الأمريكية وإضعاف التكامل الأوروبي”[9].

ونستطيع القول أن هذا الأمر سينسحب على التعاون الدولي، والعلاقات التجارية بين الدول في حقبة ما بعد كورونا؛ حيث أنه من المتوقع أن نشهد تراجعًا كبيرًا في معدلات التجارة الدولية، واتجاه أغلب -إن لم يكن كل- الدول إلى فرض المزيد من السياسات الحمائية على منتجاتها. وهو ما يجعل استراتيجيات كـ (التصنيع للتصدير)، وأيضا أي مشاريع عملاقة (كمشروع توسعة قناة السويس[10]) ومثلها من المشاريع التي تعتمد في نجاحها على توسع التجارة الدولية، محلًا للتساؤل والتشكيك الكبير في نجاحها.

يُضاف إلى ذلك أنه ليس هناك ما يدعو لتصور أن النظام العالمي، بالشكل الذي نعرفه من مؤسسات دولية وتوازن بين القوى الكبرى ونمط اقتصادي قائم، سينهار خلال الأشهر القادمة، بغض النظر عن أي عيوب أو تناقضات كشفتها أو زادتها انكشافًا أزمة فيروس كورونا، لكن ذلك لا يعني أن أزمة الوباء ستمر دون تداعيات، حيث من المتوقع أن تبرز سمات خلال مرحلة الأزمة وما بعدها؛ أهمها تضاؤل القيادة الأمريكية للعالم وتراجع فكرة أحادية القطب وهي سمة ليست بالجديدة، فقد كان واضحًا منذ عقد على الأقل صعود قوى منافسة مثل الصين والهند وروسيا، ومع ذلك لم تستطع أي منها تحدي الولايات المتحدة، وهو أمرٌ مرجح استمراره على المدى المتوسط بعد الأزمة. فحتى لو لم تعد الإدارة الأمريكية قادرة على الحفاظ على النظام أحادي القطب للعالم، ففي المقابل لا تملك دول أخرى الرغبة والقدرة على ملء الفراغ الذي خلفته واشنطن، خاصة وأنه لا توجد مؤشرات ترجح أن القوى العسكرية ستنهار قريبا ومن ثم يتغير التوازن العسكري بين الدول بشكل عام. ستكون القارة الأوروبية الأكثر ضعفا من الناحية الاستراتيجية بين القوى الكبرى، لأنها الأكثر تضررا[11].

ما يلحق بهذا الأمر أيضًا، هو تراجع الدور المنوط بالمؤسسات الدولية، وليس هذا فقط نتاج كورونا (كوفيد 19)، بل إن هذا التراجع بدأ منذ عام على الأقل، ومتوقع لأزمة كورونا أن تزيد من هذا التراجع، وأن توسع نطاقه ليشمل العديد من المؤسسات الدولية، ويمتد ليشمل بعض الاتفاقات الدولية.

يمكن القول أن أحد المتسببين الرئيسين في تراجع دور المؤسسات الدولية هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. أعلن ترامب في عام 2017 انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للمناخ[12]، وفي العام 2019 كان الشاغل الأكبر للاقتصادين حول العالم حول حرب التعريفات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، والتي بدأتها الأخيرة، مدعيةً أن الصين تخدع العالم أجمع بخفضها المتعمد لقيمة عملتها. ويُلاحظ من التواريخ أن هذا كله تم قبل انتشار كورونا.

بعد انتشار كورونا مد الرئيس ترامب الخط على استقامته، وقام في ابريل 2020 بوقف تمويل منظمة الصحة العالمية، مبررًا ذلك بأنها لو قامت بعملها، وأرسلت خبراء إلى الصين لتقييم الأوضاع على الأرض بمهنية، ووضحت للعالم قلة الشفافية التي تمارسها الصين تجاه العالم أجمع فيما يتعلق بمرض كورونا؛ لكان بالإمكان السيطرة على تفشي الوباء في معقله، والخروج منه بأعداد وفيات أقل[13].

وكل ما سبق يؤكد فكرة أن ترامب -بصفته رئيس الدولة الأكثر تأثيرًا على الساحة العالمية في الوقت الحالي- هو المتسبب الرئيسي في تراجع التعاون الدولي قبل انتشار كورونا، وما لبث أيضًا أن استغل انتشار الوباء ليستكمل ما شرع فيه سابقًا. وأن انعكاس ذلك على عالم الاقتصاد، والأداء الاقتصادي للدول سيكون كبيرًا. فمن كل ما سبق يتبين أن التجارة الخارجية للدول  من المتوقع أن تشهد تراجعات خلال الأعوام القادمة، وهو ما يجب أن يستعد له صانعو السياسات الاقتصادية في العالم، وأيضًا رجال الأعمال، والمستثمرون حول العالم.

يرى بعض الاقتصاديين أننا دخلنا فيما يمكن أن يُطلق عليه (عصر انحسار العولمة). فالجانب الجيوسياسي في الصدمة التي تلقاها النظام العالمي بسبب الجائحة ينبئ بموجة من (الغضب السياسي)، ستجعل استمرار سياسات العولمة أمرًا صعبًا. وأيضا فإن تغير سلوك الشركات سيكون محركا أساسيا في انحسار العولمة. حيث من المتوقع أن يشمل ذلك المزيد من التوطين لسلاسل التوريد، وأيضًا المزيد من الترابط بين القطاعين العام والخاص في الأسواق المتقدمة[14].

فيما يتعلق بانهيار النظام الرأسمالي عالميًا، فلا يمكن الجزم بذلك في الوقت الحالي على الإطلاق، بل إن الباحث (Hulki Okan Tabak) توقع أن يبقى النظام الاقتصادي العالمي الرأسمالي على قيد الحياة، ولكن بالطبع سيكون هناك تفكير في تطبيق سياسات حمائية محلية أو إقليمية، بجانب إعادة التفكير مرة أخرى في طبيعة سلاسل التوريد. إضافةً إلى ذلك سيكون النظام الأساسي كما هو، حيث ستكون الأسواق المالية متقلبة ومتوترة للغاية لكنها لن تنهار تمامًا. سيعمل بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الرئيسية على استقرار معظم الجوانب الهامة في النظام الاقتصادي وستتأخر الأسواق الناشئة بفارق ضئيل[15].

في هذا السياق أشار جوزيف سيجلتس في تعليق له في صحفية (Foreign Policy)، إلى أن أزمة كورونا أوضحت أننا صرنا في حاجة إلى نظام اقتصادي أكثر مرونة، وأطول في النظر، وأكثر حساسية لحقيقة أن العولمة الاقتصادية قد تجاوزت العولمة السياسية بكثير؛ وهو ما يوجب على الدول المختلفة أن توازن بين الاستفادة من العولمة، وتحقيق درجة من الاعتماد على الذات[16].

الأمر الأخير الهام في هذا السياق، هو استثمار الصين لتلك الجائحة لكي تساهم في صعودها كقوة عالمية. بدايةً يمكن القول أن العديد من المراكز البحثية في الولايات المتحدة في الوقت الحالي صارت على قناعة بضرورة أن تعيد أمريكا ترتيب أولوياتها، وأنها ربما تنسحب تكتيكيًا من بعض مناطق العالم؛ أن الأزمة الحالية قد ينتج عنها انكفاء أمريكي محدود. وبالطبع فإن التنين الصيني هو على قمة المرشحين لملء هذا الفراغ. إلا أن ذلك بالطبع لن يحدث بوتيرة سريعة وقد يستغرق عدة سنوات، وهذا أحد أجزاء الرؤية المشرقة للصين. على الجانب الآخر المتعلق بتنويع مراكز الإنتاج العالمي؛ فمن المؤكد أن الأزمة أكدت أنه صار على العالم تعديد وتنويع مراكز الإنتاج؛ وهو ما يعني نقل جزء كبير من الكتلة الإنتاجية الصينية إلى عدة مراكز إنتاجية مستحدثة ستختار بعناية بناء على عوامل منها توافر البيئة القانونية والادارية الخالية من التعقيدات البيروقراطية والإعفاءات الضريبية، والقدرات التمويلية الجيدة، ووجود العمالة المدربة والرخيصة، وتوافر البنية الأساسية الصناعية[17].

2- إعادة النظر في السياسات الصحية

شهد العالم في الشهور الأخيرة نتيجة تفشي وباء كورونا السريع، وما نتج عنه من انهيار بعض الأنظمة الصحية، قيام بعض الدول بالاستيلاء على معدات طبية لدول أخرى. ويمكن القول أنه ولأول مرة في التاريخ تحدث مثل هذه الأمور في أوقات السلم، إذ أنه لا يمكننا التعجب إن حدثت مثل هذه الظروف في أوقات الحرب.

وكنتيجة لذلك؛ يُتوقع في الأعوام والعقود القادمة التي تلي أزمة كورونا أن تكون السياسات الصحية على رأس أولويات الدول والحكومات المختلفة.

لقد أظهرت الأزمة عجزًا شديدا للعديد من الأنظمة الصحية في بعض الدول الكبرى عن توفير منظومة رعاية صحية تسع جميع أفراد المجتمع، على اختلاف مستوياتهم المعيشية، حتى صارت بعد الدول تُطبق ما يُعرف باسم بروتوكول الحروب في الطب، وهو ما يقتضي التفضيل بين بعض المرضى، وقد يؤدي حتى في بعض الحالات إلى ترك العديد من المرضى يواجهون الموت المحقق، في سبيل إنقاذ البعض الآخر.

لقد تبين للعالم في الوقت الحالي خطأ نسيان أو تأخير الاهتمام بالسياسات الصحية لعقود ماضية، على حساب أمور أخرى.

عبر ريتشارد هاس عن الحالة التي يمر بها العالم الآن بقوله: لقد دخل العالم هذه الحرب -أي الحرب مع فيروس كورونا- وهو منزوع السلاح من طرف واحد. وأنه لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يحدث هذا مرة أخرى. يجب أن تحتفظ البلدان بمخزون من معدات الوقاية والمعدات الطبية، كما يجب أيضا العمل على زيادة الموارد المخصصة للبحوث الطبية في “وقت السلم” وتطوير العلاجات ذات الصلة، بالإضافة إلى إعادة التدريب على الاستجابة للوباء على جميع مستويات الحكومة. إننا نشهد في الوقت الحالي إرسال الكثير من الأطباء والممرضات والمُسعفين والشرطة ورجال الإطفاء -أولئك الذين يعملون على الخطوط الأمامية- إلى المعركة بدون دروع. ويفتقر الكثير من الضحايا أي المرضى إلى الرعاية الطبية التي نحتاجها جميعًا[18].

وفي الحقيقة، فإن لفظ السياسات الصحية، لا يعني فقط بناء مستشفيات أو مراكز طبية جديدة، أو السعي لعمل أنظمة تأمين صحي تشمل كل المواطنين. يبدو أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.

أظهرت الأزمة أن للسياسات الصحية تشعبات وفروع كثيرة، فتوطين الصناعات الصحية وتحقيق قدر معين من احتياطي المواد الطبية (كعدد غرف العناية المركزة، وعدد الأسّرة بالنسبة لإجمالي السكان، وعدد الكمامات الطبية، وغيرها)، وضمان استمرار وجود كل ما سبق طيلة الوقت سيصبح أحد المسائل ذات الأهمية القصوى لأي دولة في العالم.

هناك أيضًا ما يتعلق بتمويل خدمات الرعاية الصحية، أظهرت الأزمة أن أنظمة تمويل الرعاية الصحية تعاني من مشاكل كبيرة، بالإضافة إلى ذلك هناك أعداد تُقدر من ملايين المواطنين مازالت لا يتوفر لها تأمين صحي، وذلك حتى في الكثير من الدول المتقدمة، كالولايات المتحدة الأمريكية.

3- الدور الاقتصادي للدولة، والسياسات المالية والنقدية:

تُعرف السياسات المالية على أنها السياسات المتعلقة بالنفقات والإيرادات الحكومية، وتكون أهم أدواتها هي الضرائب والإنفاق الحكومي. أما السياسات النقدية فهي تلك السياسات المتعلقة بتحكم البنك المركزي بالمعروضات النقدية، وذلك بغية الحد من التغيرات الدورية فيها، والتي من الممكن أن يكون لها آثار سلبية على الاقتصاد، وتكون أهم أدواتها هي سعر الفائدة والاحتياطي النقدي.

شبهت العديد من الدراسات الأزمة الراهنة التي يمر بها العالم بأزمة “الكساد الكبير” لا سيما مع وجود العديد من التشابهات وبخاصة فيما يتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي. ومما ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا في هذا المقام أن أزمة الكساد كانت سببًا في حدوث تغيير جذري في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع اقتصاداتها، حيث أُعيد النظر في الدور الاقتصادي للدولة، فبعد أن كانت الدولة قد انسحبت من الأنشطة الاقتصادية لعقود، كانت الطريقة الوحيدة لخلاص العالم من الكساد هو أن يتوسع النشاط الاقتصادي للدولة؛ لينتقل العالم من أفكار أبو الاقتصاد الحديث آدم سميث و”يده الخفية” إلى ممارسة الدولة لدور اقتصادي أكبر وأكثر فاعلية، طبقًا للأفكار التي طرحها وتبناها طرحه جون مينارد كينز[19].

توجد في الوقت الحالي العديد من الآراء تنافح عن ضرورة أن تتبنى الدولة دورًا اقتصاديًا أكبر في مرحلة ما بعد كورونا، وأن ترك العديد من القطاعات الاجتماعية الأساسية، مثل الصحة والبحث العلمي، للقطاع الخاص الذي يحكمه في الأساس مبدأ الربح والخسارة، أكّد خطورة هذا الأمر، مع احتمالات انهيار الأنظمة الصحية حتى في أعتى الدول تقدُّما ورفاهة، وبروز ضعف الاستعداد العام أمام احتمالات الأوبئة سريعة الانتشار[20].

فيما يتعلق بالسياسات المالية والنقدية؛ يوجد أمران يجبران العالم على التحول من التركيز على السياسات النقدية، إلى السياسات المالية.

الأمر الأول: هو أن العالم ومنذ الأزمة المالية العالمية التي اندلعت العقد الماضي قد عمد إلى استخدام سياسة التيسير الكمي، وهي سياسة نقدية غير تقليدية، تتمثّل في شراء سندات الدين بكثافة من الفاعلين الماليين، لا سيّما أذون الخزانة أو سندات الشركات، وتستخدمها البنوك المركزية لتنشيط الاقتصاد القومي عندما تصبح السياسة النقدية التقليدية غير فعالة[21]. وكذا تم خفض أسعار الفائدة حتى وصلت إلى الصفر. منذ أكثر من عام، بدأت لجنة السياسات النقدية ما أطلقت عليه “تصحيح منتصف الدورة” وخفضت أسعار الفائدة. وبمجيء كورونا استمر هذا الخفض، ومن المعلوم أن إذا ما انتهج الفيدرالي الأمريكي سياسة معينة، فإن العديد من الدول والبنوك المركزية في العالم تسير خلفه.

الأمر الثاني الذي من شأنه إجبار العالم على التوجه بشكل رئيسي نحو السياسات المالية، هو أنه في الوقت الراهن أسعار الفائدة عالميا تُعد منخفضة مقارنة بفترات زمنية عديدة. وأيضا بالتزامن مع ذلك أطلق الفيدرالي الأمريكي سياسة التيسير الكمي مرة أخرى، إلا أنه وبالرغم من ذلك لم يُشجع ذلك كله المستثمرين على الاتجاه نحو الإنفاق الرأسمالي، وهذا الأمر طبيعي؛ ففي ظل حالة الركود التي يعيشها العالم على إثر وباء كورونا، لا يمكن انتظار خطط توسعات من الشركات. ولذا يمكن القول أن السياسات النقدية بمفردها لم تقم بشئ.

يعول العالم أجمع الآن على السياسات المالية، وحزم الإنقاذ التي تقرها الدول كل يوم في سبيل تقليل الآثار الكارثية لانتشار وباء كورونا. يوضح الجدول التالي القيمة المالية لحزم المساعدات التي أقرتها بعض دول العالم.

جدول (1): قيم حزم مساعدات بعض الدول للتغلب على الآثار السلبية لكورونا

الدولة/الهيئة

المبلغ الإجمالي لحزمة المساعدات (مليار دولار)

الولايات المتحدة الأمريكية

2,000

البنك المركزي الأوروبي

817

ألمانيا

610

المملكة المتحدة

317

كندا

56

صندوق النقد الدولي

50

إيطاليا

27

الإمارات

27

قطر

23

تركيا

15.4

البنك الدولي

14

السعودية

13

سويسرا

10

ملاحظة: الأرقام الواردة الجدول هي الحزم المبدئية التي أعلنت عنها بعض الدول المختلفة بداية اندلاع أزمة كورونا، وهي في تزايد مستمر تبعا للتطورات التي تمر بها الدول.

المصدر: عمل الباحث.

تاريخيًا، بعد أزمة الكساد الكبير وما قدمه كينز، اتجه العالم إلى السياسات المالية، واستمر ذلك حتى جاءت سبعينات القرن الماضي، وسطع في ذلك الحين نجم رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والتي انتهجت سياسات نقدية ساعدت المملكة المتحدة على تخطي ما كانت تعاني منه. ومنذ ذلك الحين يمكن ملاحظة أن السياسات  النقدية تغوّلت على السياسات الاقتصادية لأغلب حكومات العالم، ولكن كما تقدم وفي إطار توسع الدور المُنتظر من الدولة في الوقت الحالي، وبعد مرور الأزمة، فإننا من المتوقع أن نشهد اقتصادات دول العالم للسياسات المالية (الإيرادات والنفقات الحكومية)، بجانب صعود السياسات الداخلية (المتعلقة بهيكلة الأجور والدخول عموما والإعانات وما في حكمها)[22].

فيما يتعلق بالديون الحكومية؛ فلا يخفى على أحد أن حزم المساعدات العاجلة، وغيرها من النفقات التي تتطلبها مرحلة الخروج من الأزمة الحالية، ستسبب بدورها في تزايد الديون بشكل كبير، حتى أنه من المتوقع أن تقترب معدلات الديون في الاقتصادات المتقدمة من مثيلتها في الأسواق الناشئة. ولاشك أن الأولوية لدى صناع القرار على المدى القريب هي إنهاء المشكلات الملحة مثل: فقدان الوظائف المؤقت، وتدهور إيرادات الشركات، وغيرها. وأن الوسيلة المتاحة لحل تلك المشكلات هو الاقتراض. ورغم أن تراكم الديون يبدو أمرًا مزعجًا للكثيرين، إلا أنه قد يكون في الوقت الحالي أفضل من عدم تقديم الدعم لمن يحتاجه في الفترة الراهنة[23].

أمر آخر متعلق بسياسات الدولة الاقتصادية، هو كيف تخطط الدولة لموازناتها العامة، فتزايد إغلاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، ونشأ عنه من تراجعات غير مسبوقة في الإيرادات الحكومية، وهو ينتج عنه بطبيعة الحال حدوث تفاوت بين قدرة كل دولة على الاستجابة للمطالبات المحلية بزيادة الإنفاق العام. ويمكن القول أن الدول الفقيرة هي الأشد احتياجًا لهذا الأمر؛ إذ تحتاج الدول الفقيرة في الوقت الحالي ما يُقارب 3.9 تريليون دولار، بينما لا تملك سوى 1.4 تريليون دولار، وهو ما عين أن الفجوة تُقدر بـ2.5 تريليون دولار[24]. وهذا يعني أن تلك الدول في وضع لا تُحسد عليه. وبغض النظر عن كيف ستخرج هذه الدول من الأزمة الراهنة، إلا صار متوقعًا أن كلمة الإصلاحات الهيكلية، وبخاصة في مجال المالية العامة ستأخذ حيزًا أكبر في النقاش وفي وضع أهداف المالية العامة للدولة على المدى الطويل.

الأمر الأخير المتعلق بسياسات الدول الاقتصادية، هو كيف ستصيغ الدول سياساتها فيما يتعلق بالإنفاق الحكومي، ورؤيتها للقطاعات التنموية التي ينبغي التركيز عليها. ولاشك أن هذه النقطة متداخلة مع العنصر سابق الذكر، وهو (إعادة النظر في السياسات الصحية)، وكذلك متداخل أيضًا مع عناصر سيتم مناقشته وهي (سياسات مكافحة الفقر، ومساعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة). إجمالًا يمكن القول أن التحولات في السياسات التنموية، أو تلك المتعلقة بالإنفاق الحكومي على المدى الطويل لا يمكن التكهن بها بدقة في الوقت الحالي. لكن ما يمكن توقعه هو أن العناصر سالفة الذكر سيكون لها أهمية كبيرة في تشكيل السياسات الاقتصادية في مختلف دول العالم في الأعوام القادمة.

4- سياسات مكافحة الفقر:

تؤثر الأحداث الراهنة على مختلف الطبقات الاجتماعية، ولكن بلا شك فإن الطبقات الفقيرة هي الأكثر تأثرًا على كل الأصعدة. في هذا السياق، توقع تقرير لمنظمة أوكسفام غير الحكومية أن أكثر من نصف سكان العالم البالغ عددهم 7.8 مليار نسمة، مهدّدون بأن يصبحوا تحت خط الفقر عند انتهاء وباء كورونا. وحذرت المنظمة من أن تداعيات هذا الأمر يمكن أن يُعيد ملف مكافحة الفقر على مستوى العالم عشر سنوات إلى الوراء، وقد يصل في بعض مناطق معينة مثل أفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى ثلاثين سنة[25].

ليست منظمة أوكسفام فقط هي التي أشارت إلى ذلك، أورد البنك الدولي أيضًا إلى أنه وفقًا لأفضل السيناريوهات، فإنه من المتوقع أن أزمة كورونا ستدفع 49 مليون شخص على مستوى العالم إلى الفقر المدقع. أيضا من المتوقع أن يزيد معدل الفقر العام (دخل أقل من 1.9 دولارًا في اليوم) من 8.2% في عام 2019، إلى 8.6% على مستوى العالم؛ أي يرتفع عدد الفقراء من 623 مليون شخص، ليصل إلى 665 مليونًا خلال العام الحالي[26].

ويبرز من الأرقام السابقة أن توقعات البنك الدولي أكثر تفاؤلًا من منظمة أوكسفام، إلا أنه على الرغم من ذلك ينبغي لمثل هذه الأرقام أن تدفع الدول متوسطة ومنخفضة الدخل بالأخص إلى أهمية البحث عن سياسات بديلة وغير تقليدية فيما يتعلق بمكافحة الفقر، في الوقت الحالي، و أيضًا بعد انقضاء أزمة كورونا. مع التأكيد على أن السياسات التقليدية المتبعة في العديد لم تؤت أُكلها على صعيد مكافحة الفقر.

أمر آخر في السياق ذاته متعلق تحديدا بدول الشرق الأوسط، وهو أن انهيار الأسواق النفطية من المؤكد سيترك بصماته بعمق على الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط، فإغلاق أسواق العمل في الخليج سيسفر بلا شك عن صرف ملايين العمال القادمين من مصر والسودان ودول المشرق عموما، مما سينتج عنه العديد من المشاكل الاجتماعية في هذه البلدان، والتي تواجه أساسًا تحديات ضخمة، وذلك كما توقع الباحث في مؤسسة كارنيجي جوزيف باحوط[27].

5-تحولات هائلة متوقعة في نماذج عمل الشركات:

ترصد دراسة نشرتها مجلة هارفارد للأعمال أنه يمكن للأزمات، بما فيها الأوبئة، تحفيز تبني التقنيات ونماذج العمل الجديدة. وتذكر الدراسة بأنه غالبًا ما يُنسب لجائحة “سارس” في عام 2003 دفع المستهلكين الصينيين للتسوق عبر الإنترنت، وبالتالي تسريع نهوض شركة “علي بابا”[28]. إن ما سبق يؤكد بلا شك أهمية البحث في أبرز التحديات والتغييرات التي من المتوقع أن يتركها وباء كورونا على نماذج عمل الشركات.

في هذا الصدد، فإن إجراءات العزل المنزلي التي أقرتها العديد من دول العالم قد أجبرت العديد من الشركات، وحتى المدراس والجامعات حول العالم إلى التحول إلى العمل من المنزل، وساعد في ذلك وجود العديد من التقنيات التي تسهل عمل الاجتماعات ومتابعة الأعمال من المنزل، فأدوات مثل: خدمات الفيديو كونفرانس، وخدمات الحوسبة السحابية، وأدوات التعاون عبر الإنترنت، والتسوق الإلكتروني، وخدمات بث المحتوى الترفيهي، وغيرها من الأدوات التكنولوجية يمكن القول أنها أحد أكبر الرابحين من فيروس كورونا[29].

ولكن من الناحية الهيكلية فإن التغييرات التي تشهدها الشركات في الوقت الحالي، لا شك أنه سيكون لها تأثيرات جمة في عالم ما بعد الكورونا. ويُتوقع أن تتأثر نماذج عمل الشركات في حقبة ما بعد كورونا على الأصعدة التالية:

أ- – تحولات هائلة في مجال العمالة:

خلال الشهور الماضية، تسببت أزمة فيروس كورونا المستجد حتى كتابة هذه السطور في حدوث أزمة بطالة كبيرة جدا، ولا يُعلم إلى أي مدى ستستمر تلك الأزمة. ويمكن سوق أحد أبرز الأدلة على ذلك، فبحسب إحصاءات وزارة العمل الأمريكية، بلغ عدد المواطنين الذين فقدوا عملهم منذ منتصف مارس 33.3 مليونًا[30]. ويوضح الشكل التالي أعداد الوظائف المفقودة أسبوعيا، من بداية شهر يناير 2020، وحتى يوم 7 مايو 2020[31].

شكل (1)

ملامح اقتصادية متوقعة لفترة ما بعد كورونا-1

هذا على صعيد من فقدوا أعمالهم -وقد تم التمثيل عليه فقط بالولايات المتحدة الأمريكية نظرًا لتوفر بيانات حديثة-، أما على صعيد الشركات التي قررت أن تحافظ على عمالتها، فقد أظهرت أزمة وباء كورونا أمر آخر متعلق بالتوظيف والعمالة، وهو أن العمالة البشرية تكون مُكلفة جدا على أصحاب الأعمال خلال فترة الأزمات الاقتصادية. فحتى الشركات التي قررت أن تحافظ على موظفيها تعاني الآن من مشاكل كبيرة في توفير الأموال اللازمة كرواتب للموظفين، ومن المعلوم أن بند الرواتب في مختلف القطاعات الاقتصادية في العادة لا يقل عن ثلث النفقات، ولا يشذ عن هذه القاعدة إلى القليل، بل إن العديد من القطاعات وبخاصة كثيفة العمالة، تكون النسبة أعلى من الثُلث بكثير.

تطرح المشكلتان السابقتان وغيرهما أمر هام جدا، وهو أنه من المتوقع بعد انقضاء وباء كورونا أن تُعيد الشركات النظر في العديد من سياساتها فيما يتعلق بالعمالة والتوظيف. يُتوقع أن تستمر العديد من دول العالم في تبني نماذج التعليم والعمل عن بعد في قطاعات عديدة، وذلك بعد انقضاء أزمة كورونا؛ ويرجع السبب في ذلك لما تحققه هذه النماذج من مزايا عديدة، تضمن توفير الوقت والجهد والتكلفة، وتحقيق النتائج المرجوة نفسها التي كانت تحقق بالطرق التقليدية الصعبة[32].

مما يُعقد مشاكل العمالة المتوقعة بعد انقضاء وباء كورونا هو أن العالم في العقود الأخيرة قد شهد صعود كبير لما أُطلق عليه “الأتمتة (Automation)” [33]، حيث أظهرت العديد من الدراسات أن زيادة استخدام الروبوتات لها تأثير سلبي على نسبة العمالة، وكذلك الأجور[34]. وهذه حقيقة صارت مقبولة على نطاق واسع، وذلك حتى قبل اندلاع أزمة كورونا. ومن المتوقع أنه بعد انقضاء أزمة كورونا أن يزيد اتجاه العديد من الشركات إلى الأتمتة؛ وذلك نظرا لأن العمالة البشرية في أوقات الأزمات تكون تكلفتها المادية على الشركات كبيرة لما يُكلفه استمرار دفع جزء من الراتب أو الراتب كله، وكذلك التأمينات والضمان الاجتماعي للعمال، في حين فأنه على العكس من ذلك، فإن توقف الروبوتات عن العمل لأي سبب كان، كانقطاع سلاسل التوريد أو غيره لا يعود بالشركات أو المصانع بأي تكلفة مادية.

ب- علم إدارة المخاطر:

كان انتشار وباء فيروس كورونا المستجد سريعا بلا شك، حيث تفاجأت به كل دول العالم. وهذا الانتشار المفاجئ، والزيادة الأسية-المضاعفة (Exponential Growth)  التي شهدها العالم كله، جعلت التطورات التي نعيشها يومًا بل كل ساعة تتطور بسرعة. وإزاء تلك الأحداث، كان لزاما على الشركات وكذا وكل وحدات الأعمال أن تتخذ قرارات مهمة، وفي أسرع وقت، وجوهر هذه القرارات متعلق بالأساس بإدارة المخاطر.

فمن المعلوم أنه نتاجًا للأزمة تراجعت مستويات السيولة المالية في خزائن الشركات المختلفة، وهو ما يؤثر على إجمالي المصروفات، وأهم عنصر فيها وهو رواتب العاملين.

يمكن القول أن علم إدارة المخاطر والأزمات هو المعني بالأساس بالتعامل مع مثل تلك الأحداث. وبمتابعة سلوك الشركات المختلفة، نجد حدوث تباينات كبيرة. فبعض الشركات سارعت بطمأنة العاملين فيها بأن رواتبهم لم تتأثر ما يحدث، وبعض الشركات -وبخاصة تلك العاملة في قطاع السياحة-اضطرت إلى تسريح الموظفين، والبعض الآخر على العكس من ذلك تمامًا أعلن أنه سيقوم بضمان الرواتب، وبجانب ذلك سيقدم دعم للموظفين لديه.

في الحقيقة، إن الأحداث التي تعيشها وحدات الأعمال -شركات كانت أو مصانع أو غيرها-ستضيف الكثير وبلا شك على علم إدارة المخاطر والأزمات، وستجعله أحد العلوم التي سيبرز نجمها في فترة ما بعد الكورونا، حيث تبين للمديرين وأصحاب الأعمال حول العالم أن وضع خطة لإدارة المخاطر والأزمات ليس ترفًا، بل إنه واجب، وأن الشركات التي تفرط فيه في أوقات الاستقرار؛ ستجد نفسها أمام مخاطر كبيرة وقت حدوث الأزمات.

ج- انهيار الشركات الصغيرة والمتوسطة في العديد من دول الشرق الأوسط:

في منطقة الشرق الأوسط، رصدت دراسة قامت بها مؤسسة راند أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة في منطقة الشرق الأوسط، وانعكاس الأزمة الحالية عليها. أكدت الدراسة ابتداءً على أنه يُنظر إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة على أنها عنصر حاسم في تشكيل المستقبل الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط، إلا أنه مالم يحدث تدخل سريع بإعداد حزم لإنقاذ تلك الشركات، فإنه من المتوقع أنها ستدمر على الأرجح، وذلك بالأخص في البلدان التي تكتسب فيها هذه الشركات أهمية خاصة كمصر والأردن ولبنان[35].

في الموضوع ذاته، وعلى نطاق أوسع، فقد أوضح كبير اقتصاديي مجموعة إليانز د. محمد العريان أنه يخشى أن يصبح الضرر قصير المدى للاقتصاد والمجتمع ضررًا هيكليًا طويل المدى. وأن نقطة البداية في ذلك قد تكون بتحول مشاكل السيولة في الشركات إلى أزمات في الملاءة المالية، تقود بدورها إلى جائحة إفلاسات، ثم تخلف عن السداد في الدول النامية ثم اضطرابات اجتماعية. وأنه في مثل تلك الأوضاع فإن الاضطرابات الاجتماعية ستحدث لأن الشرائح الاجتماعية الأكثر ضعفًا هي من ستتحمل المعاناة مجددا. وأن إفلاس الكثير من الشركات الصغيرة سيؤدي بطبيعة الحال إلى تركز هائل في الاقتصاد بنهاية المطاف.[36]

6- إعادة التفكير في الفجوة الإيكولوجية:

لا يُعلم بشكل مؤكد حتى الآن سبب تكون فيروس كورونا، وإن كان البعض يشير إلى أنه فيروس يعيش منذ القدم في أجسام الخفافيش وغيرها من الحيوانات، وإما بسبب بعض التجارب التي قامت بها الصين، في مختبر بيولوجي سري، أو أنه من صنع الصين أو دولة أخرى للسيطرة على العالم. وحقيقة الأمر، أنه مادام ليس هناك بحث علمي واضح بأحد الطرق العملية المثبتة، فإننا لا نستطيع أن نجزم بما هو السبب وراء انتشار الفيروس. لكن ذلك لا يمنع أن مثل هذه النقاشات طرحت مصطلح “الفجوة الإيكولوجية” إلى النقاش مرة أخرى.

وتُعرف الفجوة الإيكولوجية على أنها اختلال التوازن بين حدود الموارد الطبيعية والحاجة إلى التوازن البيئي من ناحية، وهوس الإنسان بتحقيقه قدرة لا نهائية لنمو الاقتصادات وتوسّع الاستهلاك. وقد نبّه لهذا الأمر مُبكرا تقرير “حدود النمو”، الصادر عن نادي روما عام 1972، وما تبعته من تقارير أخرى، أكدت ضرورة التوازن بين حاجات الإنسان ونمو الاقتصاد من ناحية، والتوازن البيئي من ناحية أخرى[37].

لذا فإنه من المتوقع بعد انقضاء أزمة كورونا أن تتصاعد الأصوات المطالبة بالتنبه لهذا الأمر. مع الإقرار أيضا أن ما هو مُلقى على عاتق الدول من مسؤوليات كبيرة، قد لا يدفعها إلى وضع هذا الأمر على رأس أولوياتها، لكنه من المؤكد أن جماعات الحفاظ على المناخ، وبعض المؤسسات الدولية، وكذا بعض الدوائر الأكاديمية، سيكون هذا الأمر على رأس أولويات كل المجموعات سالفة الذكر؛ وذلك بغية عدم تكرار السيناريو الذي يعيشه العالم في الوقت الراهن.

خاتمة

حاولت الورقة استشراف أبرز ملامح التغييرات الاقتصادية التي من المتوقع أن يشهدها العالم  في فترة ما بعد كورونا. وإزاء حقيقة أن العالم كله، بكل ما فيه من أنظمة سيكون فيما بعد كورونا، مختلفًا عن ما قبله، لا يسعنا إلى أن نتابع ما يحدث في العالم، ونُسجل في مُفكراتنا وملاحظتنا أبرز الدروس التي تعلمنا إياها الأزمة الحالية، ونعدل عليها باستمرار، وهو ما عملت الورقة على تقديمه، بغير الجزم بحتمية وقوعه.


الهامش

[1] Dr. Manfred Gerstenfeld, Economic Preparations for the Post-Coronavirus Era, BESA, 7 April 2020, link.

[2] صرحت كبيرة اقتصاديين صندوق النقد الدولي (Gita Gopinath) في لقاء لها مع وكالة رويترز أن عدد الدول التي  قامت بطلب مساعدات من صندوق النقد الدولي منذ تفشي وباء كورونا وحتى منتصف ابريل الماضي 100 دولة.

المصدر:

Andrea Shalal and David Lawder, IMF chief economist says 100 countries seek pandemic aid; more resources may be needed, Reuters, 14 April 2020, link.

[3] كورونا وتأثيراتها على موازين القوى الكبرى ودول المنطقة، ملف معلوماتي صادر عن مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، 13 ابريل 2020، ص: 7، رابط.

[4] علي صلاح، ملامح جديدة للاقتصاد العالمي في مرحلة “ما بعد كورونا”، دراسات خاصة صادرة عن المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 4، 13 ابريل 2020، ص: 5، رابط.

[5] John Scott, The economic, geopolitical and health consequences of COVID-19, World Economic Forum, 6 March 2020, link.

[6] واشنطن بوست: خسارة أميركا من كورونا باهظة أرواحا واقتصادا وقيادة، الجزيرة نت، 25 مارس 2020، رابط.

[7] امريكا ترامب “صفر حضور”.. والصين تتولى عجلة القيادة العالمية، جريدة المجد، 29 مارس 2020، رابط.

[8] روسيا تهب لمساعدة إيطاليا في مواجهة كورونا.. حسابات سياسية أم ردّ للجميل؟، يورونيوز، 23 مارس 2020، رابط.

[9] Richard Haass, The Pandemic Will Accelerate History Rather Than Reshape It – Not Every Crisis Is a Turning Point, Foreign Affairs, Article, 7 April 2020, link.

[10] في مصر مثلا، بلغت إيرادات قناة السويس في العام 2019 ما قيمته 5.8 مليار دولار، من المتوقع أن ذلك الرقم سيتراجع تراجعًا حادًا خلال العام الحالي، ولا ينتطبق ذلك على قناة السويس فقط، بل ينسحب أيضًا على كل خطوط التجارة العالمية؛ وذلك نظرًا لتعطّل العديد من سلاسل التوريد العالمية. والحقيقة أن مثل هذا الأمر يوجب من الدول المختلفة العمل على التفكير في مصادر دخل أخرى حتى لا تكون موازنتها العامة معرضة لمخاطر كبيرة.

[11] كورونا وتأثيراتها على موازين القوى الكبرى ودول المنطقة، مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية، مرجع سبق ذكره، ص: 7.

[12] الولايات المتحدة: ترامب يعلن انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ، فرانس 24، 1 يونيو 2017، رابط.

[13] ماذا يعني إعلان ترامب وقف تمويل منظمة الصحة العالمية؟، سي إن إن بالعربية، 15 ابريل 2020، رابط.

[14] Dr. Mohammed El-Erian views on the World during and after COVID 19, Youtube, 10 May 2020, link.

[15] Hulki Okan Tabak, What Comes After Coronavirus: Brief Predictions, Medium, 4 April 2020, link.

[16] JOSEPH E. STIGLITZ and others, How the Economy Will Look After the Coronavirus Pandemic, Foreign Policy, 15 April 2020, link.

[17] أحمد ذكر الله، هل يهدد كورونا عرش الاقتصاد الصيني؟، العربي الجديد، 8 مايو 2020، رابط.

[18] Richard N. Haass, At War With a Virus, Project Syndicate, Commentary, 6 April 2020, link.

[19] علي صلاح، ملامح جديدة للاقتصاد العالمي في مرحلة “ما بعد كورونا”، مرجع سبق ذكره، ص: 5.

[20] مجدي عبد الهادي، أبقار الرأسمالية المقدسة.. هكذا سيغير “كوفيد -19” نظرتنا للاقتصاد العالمي، ميدان، ابريل 2020، رابط.

[21] وباء فيروس كورونا المستجد: نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة الدراسات السياسية، تقرير رقم 2، ابريل 2020، رابط.

[22] مجدي عبد الهادي، أبقار الرأسمالية المقدسة.. هكذا سيغير “كوفيد -19” نظرتنا للاقتصاد العالمي، مرجع سبق ذكره.

[23] Dr. Mohammed El-Erian views on the World during and after COVID 19, Youtube, op cit.

[24] مصطفى درويش، “كورونا” يعيد تغيير الخريطة الاقتصادية للعالم، صحيفة الاتحاد، 15 إبريل 2020، رابط.

[25] Half a billion people could be pushed into poverty by coronavirus, warns Oxfam, Oxfam International, Press releases, 9 April 2020, link.

[26] Daniel Gerszon MahlerChristoph LaknerR. Andres Castaneda Aguilar and Haoyu Wu, The impact of COVID-19 (Coronavirus) on global poverty: Why Sub-Saharan Africa might be the region hardest hit, Wolrd Bank Blogs, 20 April 2020, link.

[27] جوزيف باحوط، كيف ستؤثّر أزمة فيروس كورونا على محط اهتماماتكم الشرق أوسطية في المُقبل من الأشهر؟، مركز كارينغي للشرق الأوسط، مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومسائل الأمن، 2 ابريل 2020، رابط.

[28] فيليب كارلسون-سيلزاك ومارتن ريفزو باول سوارتز، كيف يمكن أن ينعكس فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، هارفارد بزنس ريفيو العربية، 2020، رابط.

[29] إيهاب خليفة، كيف تغير التكنولوجيا إدارة الحياة اليومية خلال أزمة كورونا؟، دراسات خاصة صادرة عن المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 3، 7 ابريل 2020، ص: 10، رابط.

[30] 33.3 مليون شخص تعادل 20% من قوة العمل في الولايات المتحدة الأمريكية، وباستحضار أن أقصى معدل للبطالة شهدته أمريكا أثناء الكساد العظيم كان 24.9%، يتوقع الاقتصادي محمد العريان أن تصل الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا الرقم مرة أخرى خلال أزمة كورونا.

المصدر:

Dr. Mohammed El-Erian views on the World during and after COVID 19, Youtube, op cit.

[31] Coronavirus: US unemployment claims hit 33.3 million amid virus, BBC News, 7 May 2020, link.

[32] إيهاب خليفة، كيف تغير التكنولوجيا إدارة الحياة اليومية خلال أزمة كورونا؟، ص: 16، مرجع سبق ذكره.

[33] مصطلح يطلق على كل شيء يعمل ذاتيًا بدون تدخل بشري، أو بتدخل بشري أقل ما يمكن، ويشمل ذلك استخدام الروبوتات أو أنظمة التحكم المختلفة في المصانع، أو تشغيل شبكات الهاتف، أو توجيه السفن والطائرات، أو غيرها من الأنشطة الصناعية.

[34] أظهرت دراسة حديثة في الولايات المتحدة الأمريكية أن المناطق الأكثر تعرضًا للروبوتات بعد عام 1990، وجود تأثير لها على مجال العمالة، حيث إن روبوت واحد لكل ألف عامل يقلل من نسبة العمالة إلى السكان بنسبة 0.2 % وكذا الأجور بنسبة 0.42 ٪.
انظر:

Daron Acemoglu and Pascual Restrepo, Robots and Jobs: Evidence from US Labor Markets, Journal of Political Economy, 22 April 2020. doi:10.1086/705716. ISSN 0022-3808

[35] Daniel Egel and Charles P. Ries, Economic Consequences of COVID-19 in the Middle East: Implications for U.S. National Security, commentary (The RAND Blog), 1 April 2020, link.

[36] MARTIN LÜSCHER, «We may end up with a zombie market», Finanz und Wirtschaft, 24 April 2020, link.

[37] مجدي عبد الهادي، أبقار الرأسمالية المقدسة.. هكذا سيغير “كوفيد -19” نظرتنا للاقتصاد العالمي، مرجع سبق ذكره.

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.
كلمات مفتاحية
فيروس كورونا
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close