fbpx
اوروبا وامريكاترجمات

ناشيونال إنترست: شرح عقيدة ترامب

في أبريل 2016، نشرت مجلة “الأطلنطي _ theatlantic” تقريراً موسعاً حول عقيدة أوباما، قام المعهد المصري للدراسات بترجمته كاملاً وتوفيره باللغة العربية للباحثين والمهتمين، وفي عدد فبراير 2020، نشرت مجلة ناشيونال إنترست – التي تصدر عن مركز نيكسون، وتعكس إلى حد كبير آراء ومواقف اتجاهات من داخل حركة المحافظين الجدد تجاه الشؤون الخارجية الأمريكية، تحليلاً مطولاً بعنوان: “شرح عقيدة ترامب” لدوف س. زاكهايم، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية السابق والمدير المالي للبنتاجون من 2001-2004 ونائب وكيل وزارة الدفاع (التخطيط والموارد) من 1985-1987، والذي عمل كذلك كمنسق مدني لوزارة الدفاع الأمريكية لإعادة إعمار أفغانستان في الفترة 2002-2004.

ويعمل دوف س. زاكهايم حالياً نائباً لرئيس مركز ناشيونال إنترست (المصلحة الوطنية) للأبحاث – والذي ضمّنه عرضاً تحليلياً نقدياً لكتاب “عصر الحديد: عن القومية المحافظة” لمؤلفه كولين دويك والذي يتناول فيه صعود القومية الشعبوية المحافظة في الولايات المتحدة، والقلق الذي أثاره هذا الصعود سواء داخل أمريكا أو خارجها، حيث ركب دونالد ترامب الموجة الشعبوية، واستطاع من خلالها الوصول إلى الرئاسة عبر تبنيه لتوجه قومي متشدد.

وقد قام المعهد المصري للدراسات بترجمة التقرير، وجاء نصه على النحو التالي:

يسعى كتاب “عصر الحديد: عن القومية المحافظة” لمؤلفه كولين دويك إلى وضع قضايا التجارة، والهجرة، والأمن، والسياسات الخارجية التي يتبناها دونالد ترامب في إطار الفكر الجمهوري المحافظ الذي كان سائداً خلال القرن الماضي.

إن الكتابة عن أي رئيس قبل انتهاء ولايته ليست مهمة سهلة على الإطلاق. أما كتابة شيء يتسم بالموضوعية حول دونالد ترامب؛ على عكس كتابات التشهير التي تسعى لتعرية أسلوبه الإداري الفوضوي، وخلافاته العامة والخاصة، والفساد الذي يبدو أنه يتغلغل في البيت الأبيض وتسبب في سقوط العديد من وزراء حكومته؛ هو تحد أكبر لأي محلل جاد.

فدونالد ترامب الذي قد يكون أكثر من سكن البيت الأبيض اندفاعاً وتضارباً في المواقف وإثارة لردود الأفعال، قام في خلال أحد عشر شهراً فقط بدءاً من يناير 2019، بالآتي: استبدل وزيري دفاع، أحدهما وزير بالإنابة، كان قد رشحه ليشغل المنصب بشكل دائم؛ واستبدل مستشار الأمن القومي؛ واستبدل مدير المخابرات الوطنية؛

واستبدل وزير الأمن الداخلي؛ وانسحب من لقاء قمة مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون؛ وألغى فجأة محادثات السلام مع طالبان – وأطاح بمفاوضه الخاص – بعد ما يقرب من عام من المفاوضات وصياغة اتفاق مبدئي جاهز للتوقيع (قبل أن يعود للتوقيع بعد ذلك)؛ وسحب معظم القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، مما عرَّض حلفاء أمريكا السابقين من الأكراد لهجوم تركي؛ كما خضع لإجراءات لعزله من منصبه.

لقد أكمل كولين دويك كتابه قبل وقوع هذه الإجراءات وتلك الأحداث، ويُعتبر تتابع الأحداث منذ ذلك الحين دليلاً على خطورة الكتابة عن التاريخ الحالي. وبينما يمكن تفهم قيام أحد الصحفيين بمحاولة الكتابة في هذا الموضوع، فإن الأمر بالنسبة لأكاديمي ومفكر محترم مثل دويك يعني شيئاً آخر.

لذلك، فإن كتابه القصير، “عصر الحديد: عن القومية المحافظة”، يُعتبر محاولة شجاعة لفهم النهج الذي يتبناه ترامب في قضايا الهجرة، والأمن، والسياسات الخارجية من خلال وضعها في سياق قرن مضى من الفكر الجمهوري المحافظ. لكنه في النهاية، سيفشل في مسعاه ذلك لأنه ببساطة يستحيل وضع ترامب في أي سياق سياسي جاد ومتسق ومدروس بعناية.

يجادل دويك بأن ترامب هو في الأصل قومي محافظ، ولهذا السبب، يعكس الرئيس ما يسميه “أقدم تقليد في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية”. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يفترض في الصفحة الأولى من كتابه، أن القومية المحافظة “ليست فاشية ولا هي غير ديمقراطية” – وهو الانتقاد الذي وجهته وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت وآخرون إلى ترامب وسياساته. ويضيف قائلاً: “ولا هي حتى قومية أميركية محافظة غير متوافقة تاريخياً مع الانخراط الأمريكي في الخارج، بما في ذلك تعزيز الديمقراطية والدفاع عنها”، على الرغم من أن الأخيرة (تعزيز الديمقراطية والدفاع عنها) ليست من أولويات ترامب. وبدلاً من ذلك، فقد أدى ما يسميه دويك “إحباطات السياسة الخارجية” منذ 11 سبتمبر إلى شكل معين من القومية المحافظة التي قد يمثلها ترامب، ولكن من المؤكد أنها سوف تستمر بعده طويلاً.

هناك ميزة كبيرة في ملاحظات دويك فيما يتعلق بالقومية المحافظة. فهو يقول بحق إن القومية الأمريكية يرجع تاريخها إلى عصر تأسيس الجمهورية. وأنها تشبه ما يسميه “القومية الدفاعية المحافظة ” الأوروبية، التي تعطي الأولوية “للالتزام بنظام الدولة الأوروبية، والواقعية السياسية، ومفاهيم الجنسية ضد الأشكال التقدمية للحكم فوق الوطني”.

ولكنه يقف على أرضية أقل صلابة عندما يؤكد أن مثل هذا الموقف يتعلق بشؤون أوروبا لأنه يميز السياسات الخارجية لرجال الدولة التي تتراوح ما بين جورج كانينج وبنيامين ديزرائيلي وصولاً إلى مارغريت تاتشر وشارل ديجول.

واجهت بريطانيا في القرن التاسع عشر أوروبا مختلفة تماماً، لكنها (أوروبا) –كانت في الأساس تعيش في سلام منذ مؤتمر فيينا. ومن ناحية أخرى، كانت أوروبا في عصر ديجول وتاتشر لا تزال تعاني من حربين عالميتين دمرتا القارة. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتخذت ست دول أوروبية، على رأسهم فرنسا وألمانيا، خطوات أولية مترددة تجاه ما أصبح في نهاية المطاف “الاتحاد الأوروبي”. حيث إنهم أدركوا أهمية التوفيق بين أقوى منافسي أوروبا الغربية، وتقبل كل من ديجول وتاتشر درجة من القومية الأوروبية فوق الوطنية، على الرغم من أنهم لم يدعموا الخطوات التي قد تؤدي إلى أن تصبح أوروبا يوماً ما فيدرالية موحدة. ولاسيما أن أحداً لم يفكر حتى الآن في تغيير اسم “الاتحاد الأوروبي” (أو “السوق الأوروبية المشتركة”، كما كان يطلق عليها منذ أيام ديجول). كانت سياساتهم بعيدة كل البعد عن سياسات رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون، الذي حاز تصميمه على إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على دعم وتشجيع كامل من دونالد ترامب.

ووفقا لدويك، فإن النسخة الأمريكية من القومية المحافظة تتكون من ثلاث مجموعات مختلفة: “الأمميين”، و”اللاتدخليين”، و”المتشددين”. حيث يدعم الأمميون المحافظون دوراً أمريكياً نشطاً في الخارج، بما في ذلك المساعدات الخارجية، والانتشار العسكري المتقدم، والتحالفات، والالتزامات العسكرية. ويقاوم اللاتدخليون التدخلات والالتزامات العسكرية بجميع أنواعها. ويدعم المتشددون المحافظون مستويات عالية من الإنفاق الدفاعي والرد العسكري الذي يقضي على التهديدات المباشرة للولايات المتحدة، لكنهم يتجنبون التدخلات الأجنبية والتدخلات العسكرية. وقد يميل المرء إلى وصف هذه الاتجاهات الثلاثة على أنها على الترتيب: نهج المحافظين الجدد، ونهج ستيف بانون (أو معهد كاتو)، ونهج جون بولتون. وبالنظر إلى سجل ترامب في رفض مؤيدي كل هذه الأساليب – فهو لم يوظف عملياً أياً من المحافظين الجدد ورفض كلاً من بانون وبولتون كذلك – لذلك فإنه من غير الواضح تماماً ما هو توجه الرئيس على وجه التحديد.

يحاول دويك إقحام هذه المقاربات الثلاثة في رد الفعل المحافظ على التصميم العنيد الذي لا هوادة فيه لـ “وودرو ويلسون” على انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم. ويصف هنري كابوت لودج وزملاءه من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين من شمال شرق الولايات المتحدة بأنهم أمميون؛ وروبرت لا فوليت وأتباعه بأنهم لاتدخليون؛ ووليام بوراه وأنصاره بأنهم متشددون وطنيون. وإلى حد ما، يطبق دويك الفئات الثلاث على المحافظين الذين كانوا موجودين عام 1920 وعلى المحافظين الذين تواجدوا بعد ذلك بمائة عام.

وحتى يدعم تأكيداته حول طبيعة القومية المحافظة، يقوم دويك بتقديم نظرة عامة سريعة للغاية (من ستين صفحة) حول السياسة الخارجية الأمريكية – بدءاً من سياسات ثيودور روزفلت مروراً بسياسات باراك أوباما – والتي تتناول في الأغلب تفاصيل قليلة جداً بحيث يمكن فقط لخبير في السياسة الخارجية أو شخص عليم ببواطن الأمور في واشنطن فهم ما كتبه دويك في هذا الأمر. وعلى عكس استعراضه لقرن من السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية، يخصص دويك ما يقرب من ثلاثين صفحة لأول عامين من حكم دونالد ترامب. حيث إن هدفه الواضح هو وضع ترامب في السياق الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية المحافظة. ومع ذلك، فعلى طول الخط، تُظهر ملاحظاته حول السياسات الرئاسية – وهي في الحقيقة لا ترقى لأن تكون سياسات من الأساس – كيف أن تعاطي ترامب مع التطورات الخارجية مختلف كل الاختلاف عن تعاملات أسلافه، بغض النظر عما إذا كانت هذه السياسات ناجحة أو غير ناجحة.

فترامب بالتأكيد ليس تيدي روزفلت. وكما يشير دويك، كان المبدأ التوجيهي لروزفلت هو “لا توجه تهديداً فارغاً، لا تلوح بمسدسك، ولا تسحب الزناد أبداً إلا إذا كنت تنوي إطلاق النار.” وكما تظهر علاقاته مع كيم جونغ أون بشكل واضح، فإن نهج ترامب هو النقيض المباشر لذلك. إنه مليء بالتهديدات الفارغة. يهدد أولئك الذين قد يتحدّونه. ثم يتراجع. فبينما أمر ترامب بإلغاء اثنين من المناورات العسكرية الأمريكية الرئيسية مع كوريا الشمالية؛ قام كيم على الجانب الآخر باستئناف اختبارات الصواريخ الباليستية بعيد المدى.

ويشير دويك من خلال استعراضه للإدارات الجمهورية بين الحربين إلى وجود بعض أوجه التشابه مع إدارة ترامب، على الرغم من أن تلك المقارنات لا تضعه تماماً في صورة إيجابية. ويشير إلى أنه خلال عشرينيات القرن العشرين، دعم الجمهوريون فرض تعريفات (جمركية) مرتفعة، كما يفعل دونالد ترامب اليوم. لكن حقيقة الأمر بالطبع، أن عواقب فرض تلك التعريفات الجمركية، بالنظر إلى الديون الضخمة التي أدت إلى تعقيد اقتصاديات كل من المنتصرين والخاسرين في الحرب العالمية الأولى على حد سواء، ساهمت بشكل مباشر في صعود ألمانيا النازية وأدت في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

وخلال العشرينيات من القرن الماضي، دعت الإدارات الجمهورية المواطنين العاديين للعمل كدبلوماسيين بالوكالة في مجال السياسة الاقتصادية الخارجية؛ وقد فعل ترامب الشيء نفسه. ولكن على عكس الجهود الناجحة التي بذلها المصرفي تشارلز داوز ورجل الأعمال أوين يونغ في إعادة التفاوض وخفض ديون ألمانيا، فإنه لا يوجد شيء إيجابي يمكن قوله عن العمل الذي يقوم به الدبلوماسي غير الرسمي البارز لترامب، وهو رودي جولياني. فعلى عكس عمل هؤلاء الدبلوماسيين غير الرسميين في عشرينيات القرن العشرين، والذين كان هدفهم تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الدولي، فإن تدخل جولياني في الشؤون الأوكرانية أدى إلى زعزعة استقرار العلاقات الخارجية الأمريكية وكان السبب المباشر لجهود الديمقراطيين تجاه عزل وإقالة الرئيس.

بعد تقديم نظرة عامة عن سياسات روزفلت وترومان الخارجية والأمنية – التي فازت في معظمها بدعم الجمهوريين المحافظين، باستثناء السناتور روبرت تافت، الذي فضل ما يسمى حالياً بـ “التوازن الخارجي” فيما يخص التزامات الحلف – يتجه دويك إلى دوايت أيزنهاور، الرئيس الجمهوري الذي يبدي إعجاباً شديداً بسياساته المتعلقة بالأمن القومي.

ولكن أيزنهاور دعم كلاً من حلف الناتو وتمركز القوات الأمريكية في أوروبا بينما لم يكن ينوي أن تبقى هذه القوات في أوروبا إلى أجل غير مسمى. ووقَّع على معاهدات دفاع رسمية مع عدد كبير من الدول الآسيوية. وقاد أمريكا إلى الدخول في منظمة أخرى متعددة الجنسيات، وهي منظمة معاهدة جنوب شرق آسيا؛ ودعم إنشاء منظمة معاهدة مركزية أخرى تعرف باسم حلف بغداد. ويقول دويك بأن أيزنهاور كان قادراً على إقناع معظم الجمهوريين القوميين المحافظين بدعم منهجه الأممي بشكل عام. كما نجح في قيادة ما يسميه دويك عن حق “تغيير تاريخي في أولويات الحزب الجمهوري بشأن التجارة والمساعدات الخارجية”. ويختتم دويك عرضه لسياسات أيزنهاور بتأييد صادق له، حيث قال:

[كان أيزنهاور] مجتهداً للغاية يحسب كل شيء ويقود من وراء الكواليس… كان معادياً للشيوعية بشراسة… [ومع ذلك] ففي نفس الوقت كان يبحث عن تحقيق نتائج سلمية، وكان منفتحاً بشكل حقيقي على الدبلوماسية، ولم يعتقد أن النموذج الأمريكي سهل التصدير، كان متشككاً في الحرب الوقائية، وفهم من خلال التجربة الشخصية مدى السرعة التي يمكن أن يصبح فيها التورط العسكري خارج نطاق السيطرة. وقد قام تحديداً بتدويل الحزب الجمهوري من خلال احترام حدود القومية المحافظة.

وبالانتقال إلى ما يُطلِق عليه دويك الجدل “العالمي مقابل الوطني” داخل الحزب الجمهوري، فإنه يرى أن توجه باري جولدووتر ” الذي دفع بقوة في اتجاه قومي محافظ “، بما في ذلك توجيه الانتقادات للأمم المتحدة؛ ودعم التفوق العسكري؛ ومعارضة الاحتواء، والمساعدات الخارجية، والحد من الأسلحة واجتماعات القمة للقوى العظمى “يشير إلى توجهات الحزب الجمهوري في القرن العشرين.” لكن الأمر في الواقع، أن توجه جولدووتر يعكس اتجاه جون بولتون، الذي انتهت فترة ولايته بشكل مفاجئ على وجه التحديد لأن ترامب لم يكن مستعداً لقبول النهج القومي المتشدد لمستشاره للأمن القومي، وخاصة معارضته لـ “دبلوماسية القمة” خلال القمم التي يعقدها ترامب مع خصوم أمريكا.

كان ريتشارد م. نيكسون معادياً بشدة للشيوعية تماماً مثل جولدووتر ورئيسه السابق، الرئيس أيزنهاور. ولكن بالإضافة إلى ذلك، تبنى نيكسون، مثل أيزنهاور، مقاربة أقل أيديولوجية وأكثر واقعية للسياسة الخارجية والأمنية، ما يمكن تسميته “الواقعية الدولية”. وعلى عكس جولدووتر، ضغط نيكسون من أجل الحد من التسلح، وإلى “دبلوماسية القمة”، والتواصل الدبلوماسي مع الصين والتخلي الجزئي عن تايوان، والرغبة في تقليل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. ومن ناحية أخرى، أعرب عن تقديم دعم قوي لحلف شمال الأطلسي. وقام بتنفيذ وقف القتال والانسحاب من فيتنام لكنه تضمن تنفيذ قصف غير معلن لكمبوديا؛ ومتابعة العمل على زعزعة استقرار الحكومة اليسارية في تشيلي؛ وتقديم الدعم لإسرائيل خلال حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 1973)؛ والدفع باتجاه تعليق إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب من جانب واحد.

في بعض النواحي، لا سيما الاهتمام بدبلوماسية القمة، ودعم إسرائيل، والتوجه القومي في الأمور الاقتصادية، تعكس سياسات ترامب نهج نيكسون. ولكن نيكسون مع ذلك، وعلى العكس من ترامب، كان من ذوي الخبرة في السياسة الخارجية، فكان يمتلك، مع هنري كيسنجر، إدراكاً استراتيجياً لأفضل السبل التي تضمن أمن أمريكا في مواجهة كل من الاتحاد السوفييتي العدائي والعدواني وتنامي شعبوية داخلية تميل للفوضوية نتيجة استنزاف معنويات الداخل الذي ترتب على الحرب التي لا نهاية لها في فيتنام.

تبعت رئاسةَ جيرالد فورد القصيرة رئاسةُ جيمي كارتر، الذي لم تتحسن معنويات الجمهور الأمريكي في عهده. ولكنه فقط مع انتخاب رونالد ريجان لرئاسة الولايات المتحدة، انتعشت الثروات الأمريكية داخلياً ودولياً. فقد خشي الليبراليون والأوروبيون على حد سواء من أن يكون ريجان بمثابة “راعي بقر” متهور يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار الدولي. لكن ريجان لم يكن مثل هذا الشخص. فبعد أن أمضى سنوات في تطوير رؤيته الدولية، ومع الخبرة التي اكتسبها كحاكم ولاية تم انتخابه مرتين في كاليفورنيا، كان ريجان واقعياً بشكل أكبر مما كان يظنه الكثيرون. وكما يقول دويك، فإن ريجان “بدأ من مجموعة صادقة من المعتقدات السياسية، لكنه كان غير راغب في المخاطرة بكارثة من أجل الحفاظ على النقاء الإيديولوجي”. فقد استطاع أن يطالب ميخائيل جورباتشوف بتدمير جدار برلين، وأن يستمر في الحرب الاقتصادية ضد الكتلة السوفيتية، وأن ينسق مع الفاتيكان لتحرير أوروبا الشرقية من قبضة موسكو، وأن يبدأ في تعزيز دفاع أمريكي كبير تضمن قدرة مضادة للصواريخ الباليستية هزت السوفييت.

ومع ذلك، فقد تفاوض ريجان في الوقت نفسه على معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة تزيل الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وفكر في التخلي الكامل عن الصواريخ النووية الاستراتيجية، ورفض الانجرار إلى صراع ممتد في الشرق الأوسط في لبنان. وقد أيد توسيع الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم، ولكن، باستثناء جرينادا، فقد تجنب تغيير الأنظمة. أما خليفته، جورج بوش الأب، فقد واصل سياسات ريجان، ولكن بقدر أكبر من الواقعية. وكما يقول دويك في كتابه، “من حيث السياسة الخارجية… فإن رئاسة جورج بوش الأب… كانت نوعاً من الخاتمة الناجحة لسنوات حكم ريجان، والتي تمت إدارتها بمهنية عملية… “وبدلاً من التأكيد على التصاميم العظيمة، فقد قام بتطبيق عَهْد أو قَسَم أبقراط على مسائل السياسة الخارجية: “أولاً، التزم بألا تضر الآخرين”… ولكنه درس لم يتعلمه ترامب بعد.

لم يتودد جورج بوش الأب إلى أو يتقرب من الجناح اليميني للحزب الجمهوري، الذي كانت أولويات سياسته الخارجية خاملة بشكل أساسي منذ أيام روبرت أ. تافت. ويشير دويك عن حق إلى أن بات بوكانان، الذي نافس بوش في ترشيح الحزب الجمهوري لعام 1992، لم يستغل هذه الأولويات فحسب، بل نبّه أيضاً إلى الكثير مما استخدمه ترامب في جذب قواعد حزبه بعد ذلك بنحو 25 عاماً. يقتبس دويك من بوكانان قوله:

نطالب بوطنية جديدة، حيث يضع الأمريكيون احتياجات الأمريكيين أولاً، لقومية جديدة حيث يسعى الجانب الأمريكي في كل مفاوضات، سواء كان ذلك في الحد من التسلح أو التجارة، إلى تحقيق ميزة ونصر للولايات المتحدة … إنه [بوش] يتبنى العولمة ونحن قوميون. هو يؤمن ببعض السلام العالمي؛ ونحن نؤمن بالجمهورية القديمة. هو يريد أن يضع ثروة أمريكا وقوتها في خدمة نظام عالمي جديد غامض. ونحن سنضع أمريكا أولاً.

كان بإمكان كاتب الخطابات السابق لريجان أن يكتب نفس الكلمات لخطابات ترامب في حملته الانتخابات والتجمعات بعد الانتخابات. يقول دويك أنه على الرغم من أن بوكانان لم يفز في الانتخابات التمهيدية لولاية واحدة، فإن حقيقة أنه حصل على ثلاثة ملايين صوت كان مؤشراً على أنه استغل هذا التيار الخامل للقومية الجمهورية المحافظة.

غطى الأمميون المحافظون على وجهات نظر بوكانان طوال فترة رئاسة بيل كلينتون وجورج بوش الابن. وبالكاد كانت آراؤه أفضل أثناء الحملات الانتخابية عامي 2008 و2012، التي رشح فيها الحزب الجمهوري الأممين جون ماكين وميت رومني، وكلاهما خسر الانتخابات أمام باراك أوباما.

ويخصص دويك صفحتين فقط لرئاسة كلينتون التي استمرت ثماني سنوات، وسرعان ما يتحول إلى رئاسة جورج بوش الابن، الذي، كما يشير دويك عن حق، “كان في البداية حذرا فيما يتعلق ببعض الحجج التي تساق من أجل القيام بتدخلات عسكرية عديدة”. في الواقع، كان متناقضاً للغاية بشأن المغامرات العسكرية. أتذكر أن بوش أيام كان حاكم ولاية كان يسأل مستشاري السياسة الخارجية والأمن القومي في اجتماع في أوستن عما إذا كانوا يؤيدون التدخل الأمريكي في البلقان كما فعل بيل كلينتون. وبصرف النظر عن نفسي وشخص آخر، فإن جميع الحاضرين دعموا ما فعله بيل كلينتون. قال بوش حينه في تعقيبه على ذلك: “كان يمكن أن يشير علي عقلي بألا أتدخل، لكن قلبي كان سيدفعني إلى التدخل”.

غيرت أحداث 11 سبتمبر بشدة آراء الرئيس بوش الابن فيما يتعلق بالتدخل العسكري. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أبرز رغبته المخلصة في تعزيز الديمقراطية في جميع أنحاء العالم بكل طريقة ممكنة. يقول دويك أنه في معرض الرد على الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، وفي بداية مهاجمة العراق أيضاً، “استغل بوش… القومية التي لا هوادة فيها التي يُقدّرها الأمريكيون المحافظون، وأعاد توجيهها نحو استراتيجية شديدة الخطورة بشكل ملحوظ، وحازمة، ومثالية وحتى من الممكن اعتبارها استراتيجية ويلسون لتطبيقها في منطقة الشرق الأوسط. “

كانت حرب العراق بمثابة أعلى قمة نفوذ المحافظين الجدد، الذين لم يختلف نهجهم التدخلي باستخدام القوة عن نهج التدخل الذي قام به بيل كلينتون في البلقان أو، في نفس السياق، التدخل الذي قام به باراك أوباما في ليبيا. لقد اختار بوش الابن عدم مهاجمة العراق بأي شيء مثل مستويات القوة التي ميزت حرب والده مع صدام حسين، على أي حال. ونتيجة لذلك، وجدت الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف أنفسهم يواجهون تمرداً تحول إلى حرب أهلية. أمر بوش بزيادة القوات الأمريكية في عام 2007 والتي استقرت بشكل مؤقت فقط في العراق. ومع استمرار الحروب في العراق وأفغانستان، سئم الرأي العام الأمريكي من كليهما.

استفاد كل من باراك أوباما ودونالد ترامب من خيبة أمل الجمهور الأمريكي من حروب الشرق الأوسط. وكانت هناك أيضاً مقاومة عامة متزايدة من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) لدعم أمريكا منذ فترة طويلة لخفض الحواجز أمام التجارة الحرة. وكما يقول دويك في كتابه، فإنه خلال السنوات التي سبقت انتخابات عام 2016، “ربما لم يستشعر نصف الناخبين الجمهوريين – على عكس تفضيلات مؤسسة الحزب الجمهوري – أي فوائد للعولمة. ولم يستطع أي مرشح رئاسي جمهوري السيطرة على هذا الإحباط في الدورات السابقة.” وفي الواقع، لم يفعل أي ديمقراطي شيئاً من ذلك أيضاً. لذلك، كان من المهم أن يدافع جميع المرشحين الأربعة الذين استمروا خلال الانتخابات التمهيدية لحزبهم – الديمقراطيان هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز والجمهوريان تيد كروز ودونالد ترامب –عن وضع قيود تجارية، وعارضوا على وجه الخصوص المشاركة الأمريكية في اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي التي بدأتها إدارة أوباما. وبعد أن هزم ترامب كروز وفاز بترشيح الحزب الجمهوري، استغل (ترامب)، أكثر مما فعلت كلينتون، السخط الشعبي من السياسات الأمريكية الدولية القديمة. وقد ثبت أن ذلك كان عاملاً رئيسياً في ترشحه الناجح للرئاسة.

أكد دويك أنه على الرغم من الانتقادات التي تقول إن ترامب ليس لديه رؤية للعالم، فقد “كشفت تصريحاته العامة خلال فترة ثلاثين عاماً تقريباً، إن لم تكن لديه إيديولوجية مفصلة تماماً، فإن عنده على الأقل نظرة موسعة مع قدر معين من الاستمرارية. وجاءت هذه النظرة إحدى إفرازات القومية الشعبوية الأمريكية.” ولدعم تأكيده، يستشهد دويك بتصريحات مختلفة لترامب على مر السنين – على الرغم من أنه لم يحدد أياً منها – مثل قوله: “لم نعد نربح كما كنّا من قبل.” وقوله: “الدفاع عن الأمم من أجل لا شيء”. كان من المفيد لو قدم دويك السياقات التي قيلت فيها هذه الاقتباسات. في واقع الأمر، كان الاقتباس الأول عبارة عن تصريح أدلى به ترامب خلال حملته الانتخابية عام 2016، والثاني كان خلال مقابلة أجراها عام 1990 مع مجلة بلاي بوي – وهي ليست بالتأكيد مكان للتفكير الجاد، حتى لو كان ترامب يعني ما قاله حينذاك.

على أي حال، فإنه خلال حملة 2016، أوضح ترامب ما يصفه دويك، حين قال:

“نوع من ‘أمريكا المحصّنة’، معزولة عن الأخطار العابرة للحدود الوطنية بجميع أنواعها بسلسلة من الجدران – جدران التعريفات (الجمركية) ضد الصادرات الأجنبية، والجدران الأمنية ضد الإرهابيين “المسلمين”، والجدران الحقيقية (حرفياً) ضد المهاجرين من أصل إسباني…”

أما بالنسبة للقوميين المتشددين أمثال بات بوكانان، فقد كانت هذه الكلمات مثل موسيقى لآذانهم – وتبرئة لهم، بعد عقود.

قد تعكس آراء ترامب الرأي الجمهوري الشعبي، ولكن من غير الواضح ما إذا كان سلوكه كرئيس – على الرغم من أنه يبدو انعكاساً للعديد من وعود حملته الانتخابية – يتناسب تماماً مع أي من الفئات الثلاث التي يضعها دويك في فصله الافتتاحي. إنه بالتأكيد ليس “أممياً”، ومع ذلك فهو ليس “لاتدخلي” طبقاً للقالب الخاص بـ “بوكانان”.

يعرّف دويك اللاتدخليين بأنهم “يقاومون بشدة التدخل العسكري الأمريكي والقواعد والتحالفات في الخارج”. ومع ذلك، تراجع ترامب عن اندفاعاته الأولي لإحالة الناتو إلى مزبلة التاريخ. كما أنه لم يقم بإغلاق قاعدة أمريكية واحدة في الخارج. علاوة على ذلك، على الرغم من إحجامه الشهير عن انتقاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنه لم يحاول منع نشر القوات الأمريكية في دول البلطيق. وبالفعل، فقد وقّع اتفاقية مع نظيره البولندي لزيادة ما يقرب من 4500 جندي أمريكي متمركزين هناك وتوفير مقر قيادة دائم على الأراضي البولندية – وهي خطوة تعارضها روسيا بمرارة.

كما لم يسحب ترامب جميع القوات الأمريكية من الشرق الأوسط. وفي الواقع، فإنه في حين أن أوباما سحب القوات الأمريكية من العراق قبل الأوان، فقط لإعادة نشرها في مواجهة هجمات داعش، احتفظ ترامب بما يقرب من خمسة آلاف جندي كانوا يعملون في العراق عندما ترك أوباما منصبه. وبالمثل، فعلى الرغم من إصدار الأوامر بإجراء دراسة كاملة عن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان، من المفترض أنها من أجل تبرير انسحابها من ذلك البلد، فإن الولايات المتحدة تواصل دعم أكثر من عشرة آلاف جندي لها هناك.

ويجادل البعض بأن ترامب يعكس بشكل وثيق وجهات النظر حول ما يسميه دويك بالمتشددين المحافظين، لأنه مثلهم، يعارض جهود بناء الدولة، والمعونة الخارجية غير العسكرية، والتدخل الإنساني؛ وهو يزدري المؤسسات الدولية؛ ويدعم الدفاع الوطني القوي. ومع ذلك، فإن المتشددين يميلون أيضاً إلى النظر إلى إمكانية التعاطي مع الخصوم. ولكن من ناحية أخرى، يبدو أن ترامب يستمتع بمثل هذه المشاركات مع الخصوم أكثر بكثير من تفاعلاته مع القادة المتحالفين معه. ويبدو أيضاً أن ترامب لا يشعر فقط بالارتياح في التعامل مع بوتين. بل يتفاخر بعلاقاته الشخصية مع كيم جونغ أون والرئيس الصيني شي جين بينغ، وقد تواصل أيضاً مع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ويبدو أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي في الحقيقة أفضل من علاقاته مع قادة حلفاء الناتو الرئيسيين الآخرين، على الرغم من أن التزام أردوغان تجاه الناتو أمر يثير الشكوك بالنظر إلى علاقاته الدافئة المتزايدة مع بوتين.

ربما يكون من الأكثر دقة أن نقول إن ترامب ليس لديه منظور أيديولوجي معين (على الرغم من أن الخلط بين أعماله والمصالح الوطنية يثير التدقيق بانتظام). ولهذا السبب لا يوجد ما يمكن توقعه لما يمكن أن يقرره الرئيس من يوم إلى آخر. في الواقع، يستشهد دويك بتفسير ترامب نفسه لطريقة عمله “ألعبها بشكل فضفاض للغاية… أفضل أن آتي إلى العمل كل يوم وأرى التطورات… أنا… أحمي نفسي بالمرونة. أنا لا أتعلق كثيراً باتفاق واحد أو بنهج واحد”. ويستمر ترامب في وصف منهجه التفاوضي: “أفْضل شيء يمكنك القيام به هو التعامل من منطق القوة، والنفوذ هو أكبر قوة يمكن أن تكون لديك.” لذلك ففي هذا السياق، وليس من منطلق أسس إيديولوجية، يجب فهم دعم ترامب للدفاعات القوية – السمة المميزة للقوميين المحافظين.

من ناحية أخرى، فإن أحد العوامل المحفزة الرئيسية للرئيس هو تصميمه على الوفاء بوعود حملته الانتخابية لعام 2016، خاصة أنه منذ يومه الأول في منصبه أشار إلى نيته الترشح مرة أخرى في انتخابات 2020. ويشير دويك إلى أن خط ترامب المتشدد بشأن الهجرة غير الشرعية، “في حين أنه ربما لا يتحدث عن السياسة الخارجية بشكل دقيق – بالتأكيد كان له آثار على السياسة الخارجية، وكان يجب اعتباره جزءاً من جهد شامل من قبل الرئيس للوفاء بوعود التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية والمتعلقة بأمن الحدود الأمريكية. “في الواقع، ربط ترامب بوضوح الهجرة بالأمن. عندما أعلن عن حالة طوارئ وطنية في فبراير 2019 من أجل تمويل جدار حدودي بالأموال التي خصصها الكونجرس لحسابات أخرى، قال: “سنواجه أزمة الأمن القومي على حدودنا الجنوبية، وسوف نقوم بذلك بطريقة أو بأخرى.” لقد كان أحد الوعود في حملته الانتخابية وقد ظل مصمماً على الوفاء به، بغض النظر عما قد يحدث بعد ذلك.

وبالمثل، فإن رغبة ترامب في نقل القوات من الشرق الأوسط وأفغانستان كانت مدفوعة بوعود أطلقها أثناء حملته الانتخابية بوضع حد لـ “الحروب التي لا نهاية لها”. وتعكس انتقاداته لحلفاء الناتو لعدم تخصيصهم أموال كافية للإنفاق الدفاعي مربعاً آخر في قائمة وعود حملته الانتخابية التي يسعى دائماً إلى التحقق من تنفيذها.

ويتابع دويك وصف الفريق الذي جمعه ترامب في بداية حكمه، وبعض التغييرات الأولى التي أجراها على ذلك الفريق، والتي يؤكد دويك أنها “أدت إلى عملية صنع سياسات تقليدية إلى حد ما”. ولأنه كان يكتب هذا الكتاب في منتصف فترة ولاية ترامب، فإنه يذكر أن الرئيس أقال ه. ر. ماكماستر واستبدله بجون بولتون، لكنه لا يقدم أي تحليل متعمق لآثار تعيين بولتون. ولا يشرح لماذا تم طرد ماكماستر، ولا يشير إلى نهج بولتون المعاكس تماماً للسياسة التي تبناها ماكماستر، ولا سيما رفض بولتون الأساسي لاستراتيجية الأمن القومي التي أعدها ماكماستر بمشاركة نائبته نادية شادلو، التي غادرت معه.

في الواقع، كان بولتون غير تقليدي بشكل كبير. فقد أنهى بشكل أساسي النهج الذي دأب عليه مجلس الأمن القومي لفترة طويلة من دعوة كبار قادة الوكالات للاجتماع من أجل مناقشة بدائل السياسات وتقديمها إلى الرئيس. والأكثر من ذلك، أنه دعا إلى سياسة أكثر عدوانية بشكل كبير تجاه كوريا الشمالية وإيران وروسيا التي يشعر العديد من المراقبين، وفي النهاية ترامب نفسه، بالقلق من أن تؤدي إلى الحرب.

لم يكن من الممكن أن يتوقع دويك أيضاً أن ترامب سيضيق ذرعاً بعدوانية بولتون ويستبدله بروبرت أوبراين. حيث بشرت مسيرة أوبراين كمحكم ومفاوض بالعودة إلى عمليات التنسيق الحكومية طويلة الأمد، بالإضافة إلى نهج أكثر تعمداً للتعامل مع كل من الحلفاء والخصوم. في الواقع، كان ترامب يعود إلى حد ما إلى النهج الذي تخلى عنه مع ماكماستر، الذي اتصل به ذات مرة ليقول أنه يفتقده، مما يوفر المزيد من الأدلة على أن الرئيس لم يكن لديه بالفعل أي توجهات إيديولوجية من أي نوع.

عند مناقشة التغييرات التي طرأت على موظفي ترامب، يؤكد دويك أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرة في السياسة بين كبار مسؤولي الأمن القومي لترامب، “كما هو الحال في أي إدارة، كان الرئيس في نهاية المطاف هو المسؤول عن القرارات الرئيسية المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولم يكن هناك أي عضو محتمل في الحكومة أو مستشار رئيسي إما قبِل بالفعل أو تم ترشيحه لمنصب ما لم يعوا هذه الحقيقة “. في سياق معظم الإدارات، ستكون ملاحظة دويك حقيقة بديهية. ومع ذلك، ليس من الواضح أن ما كان عليه الحال في الماضي كان ينطبق على السنوات الثلاث الأولى من إدارة ترامب.

فعلى العكس من ذلك، يعتقد عدد من كبار الشخصيات التي تم تعيينها في إدارة ترامب أنه يمكنهم، على الأقل، التخفيف من أسوأ اندفاعات الرئيس. على سبيل المثال، نجح وزير الدفاع آنذاك جيمس ماتيس في تخفيف عداء الرئيس تجاه حلف الناتو. ومع ذلك، فشل في ثني الرئيس عن محاولة سحب جميع القوات من أفغانستان أو من تحطيم حلفاء أمريكا الرئيسيين، واستقال نتيجة لذلك. وبالمثل حاول ماكماستر تخفيف موقف ترامب السلبي تجاه الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان. وكان أيضاً أكثر عداءاً لروسيا من ترامب. وقام الرئيس بإقالته. وحاول بولتون سحب ترامب في الاتجاه الآخر، أي نحو موقف أكثر عدوانية تجاه الخصوم المحتملين، بما في ذلك الكوريين الشماليين، الذين كان ترامب مصمماً على التفاوض معهم. فتم أيضا طرده. وكعادته دائماً، قام ترامب أيضاً بتوجيه النقد إلى أوبرين، ملاحظاً على تويتر، “اقترَح مستشار الأمن القومي اليوم أن العقوبات والاحتجاجات أدت إلى ‘خنق إيران’، مما سيجبرهم على التفاوض. في الواقع، أنا لا أهتم كثيراً إذا ما كانوا يريدون التفاوض “.

ومثل الشخص الذي يعاني من الوهم بأنه يمكنه أو يمكنها تغيير سلوك الزوج المحتمل الذي تم الطلاق منه أو منها بالفعل لأربع مرات، فإن هؤلاء الرجال يعتقدون حقاً أنه يمكنهم التأثير على ترامب، على الرغم من نهجه المعلن بشكل واضح بخصوص عملية صنع القرار. ويمكن فقط أن يكون مايك بومبيو، الذي عمل من قبل كمدير لوكالة المخابرات المركزية وبعد ذلك كوزير للخارجية؛ ومؤخراً، أوبراين، يبدو أنهما تصرفا وفقاً لملاحظة دويك فيما يتعلق بالمستشارين المحتملين ورؤساء الوكالات. ومن المحتمل أنه بعد ثلاث سنوات من أسلوب إدارة ترامب، لا شك أن المعينين المحتملين الآخرين سيفعلون الشيء نفسه، ومن المحتمل أيضاً أن يضيق الرئيس ذرعاً بنهم على أي حال.

ويجادل دويك بأنه على الرغم من تفضيل ترامب لعلاقات أفضل مع روسيا، فإنه “ما كان بإمكان حكومة الولايات المتحدة أن تتبنى سياسة متشددة ضد روسيا بدون دعم الرئيس نفسه، أو على الأقل قبوله بذلك”. فلا يمكن إنكار أن إدارة ترامب “واصلت تعزيز وجودها العسكري في بولندا. وضاعفت العقوبات الأمريكية ضد روسيا؛ وأعادت تأكيد التزاماتها الأمنية للدول الأعضاء في حلف الناتو؛ وأدخلت مساعدات عسكرية مباشرة إلى أوكرانيا؛ ولم تقدم أي تنازلات دبلوماسية لروسيا في أوروبا “. ومع ذلك، فهناك فرق كبير بين الموافقة والقبول. فترامب لم يروج بحماس لأي من السياسات المذكورة أعلاه. والأهم من ذلك أنه أخر تنفيذ عقوبات إضافية ضد روسيا قبل الموافقة عليها أخيراً تحت ضغط من الكونجرس.

لم يكن لدى ترامب الكثير ليقوله عن الالتزامات تجاه الناتو. حيث إن كبار رجال إدارته هم الذين أكدوا من جديد على تلك الالتزامات. وكان تقاعسه تجاه شبه جزيرة القرم بالتأكيد تنازلاً لروسيا “في أوروبا”، وانسحابه من سوريا تنازلاً لموسكو خارج أوروبا. وأخيراً، ففي حين أنه فعلاً وافق على نقل أنظمة جافلين المضادة للدبابات التي وافق عليها الكونجرس إلى الجيش الأوكراني المحاصر، إلا أنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن أثار كاشف الفساد من الداخل (المُبَلّغ عن المخالفة) فضيحة كبيرة من خلال الادعاء بأن ترامب طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بإطلاق تحقيق علني مع خصومه السياسيين (بايدن) مقابل تسليم الصواريخ. وأدى هذا الطلب، والصخب الذي أثاره، مباشرة إلى البدء في إجراءات عزل ترامب من قبل مجلس النواب.

ومثْل استعراض دويك لسياسة ترامب الأوروبية، فإن عرض دويك لسياسات ترامب فيما يتعلق بالقضايا الأمنية الأخرى، إلى جانب التجارة والقضايا التجارية ذات الصلة، قد تجاوزته الأحداث في كثير من الحالات، حيث إن بعضها ينعكس بشكل جيد على الرئيس والبعض الآخر بشكل أقل من ذلك. وكان مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي بالتأكيد لحظة انتصار للرئيس. ولكن من ناحية أخرى، لم يتم هزيمة داعش، كما أكد ترامب مراراً، ولدى تنظيم الدولة الآن زعيم جديد. وقد أدى تخلي ترامب عن الأكراد السوريين إلى تعزيز مكانة روسيا في سوريا. حيث تعمل موسكو الآن ليس فقط من قاعدة جوية مستأجرة مؤخراً في هذا البلد، ولكنها أيضاً أنشأت قاعدة طائرات هليكوبتر جديدة في شمال سوريا. إن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني قد أعطى طهران ذريعة لتوسيع برنامجها للتطوير النووي بما يتجاوز الحدود المنصوص عليها في تلك الاتفاقية. وقد تثبت الأيام أن مقتل زعيم فيلق القدس قاسم سليماني في حد ذاته كان في نهاية المطاف مشكلة للولايات المتحدة. ولم تسفر محادثات ترامب مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون عن شيء. بينما بدأت فقط جهود ترامب للتوصل إلى اتفاقية تجارية مع الصين تؤتي ثمارها. وأدى انسحابه من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي إلى اتفاقية تجارية جديدة بين العديد من الدول نفسها، وللمرة الأولى، اتفاقية متواضعة بين معظم هذه الدول من ناحية والصين من ناحية أخرى.

ويخلص دويك إلى أن “الخيارات الفعلية للسياسة الخارجية ووجهات نظر ونتائج إدارة ترامب هي في الواقع هجين أو مزيج من التوجه القومي مع الأممي المحافظ”. ومن الناحية العملية، قد يكون هذا هو الحال، ولكن ليس بالضرورة بسبب أي توجه معين من جانب ترامب. ويبدو أن ما يسميه دويك “عدم القدرة على التنبؤ بترامب” الحقيقة التي يعترف بها الجميع، هي في الأصل مدفوعة في المقام الأول، إن لم يكن الأوحد، بعاملين اثنين فقط، وهما: تغذية نرجسيته وتضخيم ثروات عائلته – وهي حقيقة يتجاهلها دويك تماماً، أو ربما يتجاهلها عن عمد. وإلا كيف يمكن تفسير أحاديث الرئيس بشكل متضخم عن عظمته الشخصية؛ وإشاراته المتكررة إلى ملاعب الجولف والفنادق الخاصة التي يمتلكها؛ ومنح الصين علامات تجارية لابنته إيفانكا؛ أو، مؤخراً، بعد أن أصبح كتاب دويك بيد الصحافة، محاولة الرئيس المشؤومة لاستضافة قمة مجموعة العشرين في فندق ترامب ناشيونال دورال ميامي الخاسر؟

وبعد مناقشة سياسات ترامب، يحاول دويك أن يوضح السبب الذي جعل الرئيس عبارة عن عَرَض من أعراض التوجه السياسي المحافظ أكثر من كونه المسبّب له. ويستشهد بأحد الاستطلاعات الذي يشير إلى أنه بشكل عام، لا تبتعد وجهات نظر ترامب ليس فقط فيما يتعلق بالتجارة، ولكن أيضاً في الهجرة والتحالفات التقليدية والتدخلات العسكرية، كثيراً عن آراء الأمريكيين من جميع المشارب السياسية، على الرغم من أنها تميل إلى أن تكون فجّة وأكثر صرامة. ومع ذلك، فهو يشير بحق إلى أن سياسات ترامب، من نواح أخرى، لا تعكس بالكامل وجهات النظر المحافظة، التي لم تتغير جذرياً. وهكذا، لا يزال الناخبون الجمهوريون يميلون إلى أن يكونوا أمميين. إنهم ليسوا مؤيدين لفلاديمير بوتين. ولكنهم لم يعودوا يعارضون بشكل جمعي التجارة الحرة بشكل أكبر مما يعارضها الديمقراطيون – وربما يتخذ الديمقراطيون موقفاً أكثر تشدداً في هذه القضية.

ويختتم دويك الخطوط العريضة لوجهات نظره حول ما يجب أن تبدو عليه السياسة الخارجية المحافظة. وبشكل عام، فإنه يتبنى الخط الأممي المحافظ الذي يفضله أيزنهاور ونيكسون. وهو حَذِر من التدخلات العسكرية وبناء الأمة والمؤسسات فوق الوطنية مثل المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان.

من ناحية أخرى، فإنه يرفض “التوازن الخارجي” وفك الارتباط مع التزامات أمريكا في الخارج. فهو يرى أن روسيا، مثل الصين، تمثل تحدياً كبيراً للسيادة الأمريكية، بينما لا يستبعد التهديدات التي تشكلها إيران وكوريا الشمالية والإرهاب. كما يشدد على أهمية استخدام الأدوات غير العسكرية، ولا سيما الدبلوماسية، لتحقيق أهداف أمريكية أخرى. وفي كل هذه النواحي، يلتزم بإجماع واشنطن على الأولويات الأمنية الرئيسية، والتي أوضحها ه. ر. ماكماستر وفريقه من مجلس الأمن القومي في نسختهم من استراتيجية الأمن القومي. إنه إجماع على أن ترامب لم يرفض ذلك فحسب، بل إنه يسخر منه باستمرار.

من المؤكد أن دويك يدرك أن الرأي العام يواصل التحول نحو سياسة أمنية أمريكية تميل إلى أن تكون مهتمة بالداخل بشكل أكبر. ويمثل كتابه محاولة لإثبات أن هناك أساساً أيديولوجياً لسلوك ترامب يقوم على هذا التحول. ولكن في نهاية المطاف، فشل دويك في الإقناع بذلك. فسلوك ترامب ليس له علاقة تذكر بالإيديولوجيا. وإنما يتعلق تماماً بمصالح ترامب الذاتية، ولهذا تستمر أمريكا في دفع ثمن باهظ لذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Close